السيد عباس علي الموسوي

64

شرح نهج البلاغة

الغيوب الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ) . وهذا ترغيب لهذا الشخص ولنا بذكر الراسخين في العلم أصحاب العلم الثابت الذين يعرفون حقائق العلم وبحور المعرفة فهؤلاء من خلال موقفهم يمكن أن يكونوا قدوة لنا وأسوة ، هؤلاء استغنوا عن طرق هذه الأبواب المسدودة والأسوار المضروبة دون هذا الغيب المجهول بالاعتراف على وجه الإجمال بكل ما جهلوا تفسيره ومعرفته من هذا الغيب المحجوب . فما كان مستورا لم يعرفوا معناه أوكلوا معرفته إلى اللّه واكتفوا بذلك . . . ( فمدح اللّه تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا ) . قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تشَابهََ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تأَوْيِلهِِ وَما يَعْلَمُ تأَوْيِلهَُ إِلَّا اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلّا أُولُوا الْأَلْبابِ . فهؤلاء الراسخون في العلم المتعمقون فيه إذا وصلوا إلى الأبواب الموصدة ولم يقدروا على فتحها بمعرفتهم لم يذهبوا بعيدا بل عادوا بها إلى اللّه وآمنوا بها على إجمالها وأوكلوا معرفتها للهّ فمدحهم اللّه بأنهم الراسخون في العلم . ( فاقتصر على ذلك ولا تقدر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين ) . أمره أن يقتصر على ما ورد في الكتاب والسنة عن النبي وأئمة الهدى لأن في ذلك كفاية لبيان المطلوب وما زاد عن ذلك فيكل علمه إلى اللّه ونهاه بعد ذلك عن أن يقدر عظمة اللّه وسلطانه وما له بحسب عقله القاصر فيهلك لأن العقل البشري لقصوره عن إدراك عظمة اللّه يصوّر العظمة بحسب ما يتوهمه من الأمور التي رآها فيقع في تكوين صورة العظمة الإلهية على غير حقيقتها ويعتقد صحتها وبذلك يخرج عن الحقيقة ويهلك نفسه لانحرافه ونسبته إلى اللّه من الأمور ما لا يليق بشأنه . ( هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته ) . ذكر أن اللّه هو القادر بقول مطلق الذي لا يعجزه شيء . . . وذكر عليه السلام بعض المحاولات التي يمكن أن يقوم بها الإنسان ثم رد الإمام باستحالة الوصول إلى الغاية وبفشل جميع المحاولات . . . وأولها فشل الأوهام التي إذا جالت وصالت واسترسلت بكل قدرتها مجدة في الوصول إلى غاية ومنتهى قدرة اللّه عجزت وكلت . . .