السيد عباس علي الموسوي

58

شرح نهج البلاغة

كان القسم أمرا ماديا أم معنويا . . . ( عياله الخلائق ضمن أرزاقهم وقدر أقواتهم ) . عيال الرجل من يعولهم ويتكفل بهم وعليه مؤنتهم وباعتبار أن اللّه هو القائم بشؤون الخلق والرازق لهم والمعطي فهم عياله وقد تكفل لهم بصلاح دنياهم وآخرتهم أما في الدنيا فقد أخذ على نفسه أن يرزقهم ما يكملون به شوط الحياة من الأرزاق وأعطى لكل نفس نصيبها مما تحتاج من القوت فهو سبحانه الذي رزق النطفة في رحم الأم ورباها هو سبحانه الذي حول ذلك الرزق إلى ثديها فأعطته لبنا سائغا ثم رزقه بعد الفطام وكذلك بعد أن أصبح رجلا إلى أن تنتهي حياته من هذه الأرض . . . ( ونهج سبيل الراغبين إليه والطالبين ما لديه ) . وهو سبحانه قد سنّ للراغبين إليه وإلى المتقربين منه وللطالبين ما عنده من نعيم وخير سن لهم الشريعة التي تؤهلهم لبلوغ مرامهم والوصول بهم إلى مرادهم فإن من عمل بأحكام اللّه واتبع ما أنزل استطاع الوصول إلى اللّه وإدراك ما عنده من النعيم . . . ( وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل ) . هذا تنزيه للهّ عن صفات المخلوقين من البشر الذين يتأثرون بالسؤال فيعطون إذا سئلوا وقد يمنعون بدونه واللّه منزه عن ذلك يعطي على كل حال حسب قابلية الموضوع وأهليته وقد أعطى بدون سؤال لكل نفس ما تعيش فيه وتحفظ وجودها منذ كونها نطفة وإلى آخر العمر . . . ( الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله والآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده ) . هو الأول بحسب كونه علة للوجود ولكل موجود لأنه خالقها وصانعها ولكن أوليته ليس لها حد لأنها متى تحددت بزمان كان هناك شيء قبله ولا أقل من الزمان واللّه سبحانه كان ولم يكن زمان ولامكان وكذلك آخريته باعتبار أنه الباقي بعد فناء الأشياء وليس معناه أن له نهاية يتوقف عندها وإلا لم يكن واجب الوجود لأنه متى حدد له أمد كان هناك بعده شيء ولا أقل من الزمان نفسه واللّه سبحانه منزه عن ذلك . . . ( والرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه ) . وهذا من مواقع عظمة اللّه جل جلاله أنه يمنع حدقات العيون أن تطاله أو تدركه لأنها لا تدرك إلا المحدود المنظور واللّه منزه عن الجهة التي تحده وعن الجسمية وعوارضها التي تقع تحت النظر قال تعالى : لا تدُرْكِهُُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ . . . . ( ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال ) . اللّه هو الذي خلق الزمان فلا يأتي عليه الزمان أو يقع تحت دورته حتى يؤثر فيه ويعرضّه لما تتعرض إليه الأشياء من نقص أو