السيد عباس علي الموسوي
34
شرح نهج البلاغة
( وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي ) أحسنت إليكم بجميع وجوه الإحسان وشتى أصنافه حتى أضحى لكم كالفراش تستريحون إليه وتأنسون به . . . ( وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي ) جعلتكم ترون كريم أخلاقي من حيث عفوت عن مسيئكم وتجاوزت عن قبائحكم وأحسنت إلى محسنكم وقد تجاوز عليه السلام بأخلاقه كل مدى وبلغ الذرى ومن يبلغ في الصفح ما بلغه وقد عفى عمن حاربوه بعد انتصاره عليهم بل أكرم أم المؤمنين عائشة وجهزها وأرسل معها من أوصلها إلى المدينة كما إنه صفح عن عمرو بن العاص تكرما منه لما أبدى عورته وترك مروان بن الحكم عدوه وهكذا دواليك . . . ( فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر ، ولا تتغلغل إليه الفكر ) . . . الرأي في الدين : نهى عليه السلام أن يقولوا بغير علم فمن حصل له العلم بأمر جاز له فيه القول والافتاء وأما إذا لم يحصل له ذلك فيجب ان يتوقف ولا يستعمل الرأي ، والتعبير بالرأي له معنى دقيق وهو أنه رأي شخصي استنبطه من نفسه واستحسنه أو قاسه على أمر آخر يرى قربه منه كما كان شائعا عند بعض المذاهب حيث استعملوا القياس واستنبطوا العلل وأجروا الحكم على الفرع الفاقد العلة على الأصل المنصوص العلة . . وقد نهى أهل البيت عن استعمال الرأي وإجراء القياس وحرموه وسفهوا من استعمله وحملوا عليه أشد حملة لأنه ينسب إلى اللّه ما لم يقله ويحمله ما لم يرده فإن اللّه سبحانه قد نص على حرمة بعض الأشياء بأعيانها فلا يجوز أن تحكم بحرمة شيء إلحاقا لها بهذه الأمور ظنا منك أنك قد أدركت العلة في تحريم الأولى فتسري العلة إلى الثانية . . . وقد شاع هذا الأمر - العمل بالقياس - عن أبي حنيفة بل كان من أئمة هذا الفن وفاتق علمه ولذا نهى الأئمة عنه وحملوا على أبي حنيفة وبينوا خطأه وانحراف منهجه . . . قال أمير المؤمنين عليه السلام : إن المؤمن لم يأخذ دينه ( 1 ) عن رأيه ولكن أتاه عن ربه فأخذ به . .
--> ( 1 ) هذه الأحاديث من وسائل الشيعة أبواب صفات القاضي باب 6 .