السيد عباس علي الموسوي
32
شرح نهج البلاغة
منا وليس بميت ويبلى من بلي منا وليس ببال ) ثم ذكر عليه السلام هذه الخصوصية التي ينفرد بها النبي والأئمة دون الخلق وهي : « إنه يموت من مات منهم وليس بميت » وقد قيل في تفسيرها وجوه . الأول : إنه يريد مفاد الآية الكريمة وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . الثاني : إن أهل البيت أحياء بآثارهم وبما تدين به الملايين من البشر بما جاء عنهم . . . الثالث : إنهم أحياء بأجسادهم المثالية وإليه ذهب جمع واختاره بعض المحققين من المتأخرين كالمجلسي . الرابع : إنهم أحياء بأجسادهم الدنيوية التي كانوا عليها وهناك روايات تدل على ذلك اعتمدها واختار مفادها بعض شراح النهج ( الخوئي في منهاج البراعة . . ) . . . وأما قوله : ويبلى من بلي منا وليس ببال فهنا المعركة التي لا حد لها ولا استقرار . فذهب بعضهم إلى أن الأرض لا تأكل أبدان الأنبياء والأئمة واعتمد في ذلك على بعض الأخبار كما في الرواية الواردة عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : ما من نبي ولا وصي نبي يبقى في الأرض أكثر من ثلاثة أيام حتى ترفع روحه وعظمه إلى السماء وإنما يؤتى مواضع آثارهم ويبلغونهم من بعيد السلام ويسمعونهم في مواضع آثارهم من قريب . وحمل قوله عليه السلام ويبلى منا على أن البلى المذكور إنما هو مجاراة لما يرى الخلق في أمثالهم من طرو البلى عليهم وإلا فلا يشمل ذلك النبي والأئمة وبعضهم حمل البلى على بلى الأكفان . وبعضهم حمل البلى على الأبدان وعدم البلى على الأرواح . وقال بعضهم : إن هذا نص على أن أجساد الأولياء لا تبلى . ( فلا تقولوا بما لا تعرفون فإن أكثر الحق فيما تنكرون ) ثم بعد أن ذكر هذه القضية التي لا يراها الحاضرون يومها كما لم نرها نحن اليوم أراد إيقافهم أمام حقيقة علمية وهي أنه نهاهم عن القول فيما لا يعرفون فإذا لم تعرف أمرا فلا تبادر إلى إنكاره وإبطاله ورده إذ ربما وجد له وجه لم تهتد إليه ولم يصل فكرك إلى عمقه قال تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عنَهُْ مَسْؤُلًا . . فالقول بغير علم ومعرفة جريمة أخلاقية وجناية علمية . . .