السيد عباس علي الموسوي

28

شرح نهج البلاغة

كان أن يحمل الكتاب على مقصوده وإنه يدل عليه وهذا ما نجده في كثير من المذاهب حيث احتالوا على النصوص وأخرجوها عن مداليلها من أجل أن توافق مذاهبهم وتنسجم مع فتاوى رؤسائهم . . . ( وعطف الحق على أهوائه ) جعل الحق تابعا لهواه فكل ما يشتهيه أو يراه حسنا فهو حق عنده وحسن . . . ( يؤمن الناس من العظائم ويهون كبير الجرائم ) يقول للناس المذنبين المسيئين الذين يرتكبون المعاصي الكبيرة إن اللّه رحمن رحيم لا يعذبهم ولا يؤاخذهم بذنوبهم بعد إيمانهم ، إنه يؤمنهم عقابه لرحمته وإنه أجل من أن يؤاخذ هذا الإنسان الضعيف . وكذلك يهوّن كبائر الذنوب ويصغرها يقول إنها تمحى ولا تبقى ، سوف يأتي عليها عفو اللّه وتشمل أصحابها شفاعة الرسول والأئمة . . . ( يقول : أقف عند الشبهات وفيها وقع ) وهذه غريبة من غرائب أطواره وواحدة من جهالاته إنه يقول للناس إنه الورع التقي ولورعه وتقاه لا يرتكب ما يشتبه به ولكن لجهله بمواقع الشبهات يرتكبها بدون أن يدري . . . ( ويقول اعتزل البدع وبينها اضطجع ) وهذه دعوة من جملة دعاويه التي يقولها ويخالفها إنه يقول أنه يعتزل البدع فما كان بدعة يدعي اجتنابه ولكن هي الحقيقة يمارسه بعمله ويقوم به في سلوكه كمن يقول ذلك من علماء العامة حيث يتبرأ من البدع ويستنكر على فاعلها ولكنه في نفس الوقت يمارس ما ابتدعه عمر وأدخله في الدين والدين بريء منه كصلاة التراويح التي ابتدعها عمر وأقر بذلك هو نفسه واعترف ببدعته كل من اتبعه ولكنه لم يستنكرها ولم يقدر على التخلي عنها . . . ( فالصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان ) فهو يمتلك هيكلا بشريا ضخما كاملا يملك الصورة البشرية ، من الرأس والعين والأذن والفم واليدين والرجلين ولكن هل بهذه الصورة فحسب امتاز الإنسان عن الحيوان كلا ثم كلا بل يمتاز الإنسان بعقله وفكره وتحليله للأمور . . ، يمتاز بعمله بالحق وبعده عن الباطل وانتصاره للعدل وثورته على الظلم ، . . يمتاز بإيمانه واستقامته وعدالته . . ، ولذا يتحول الإنسان الفاقد لهذه المعاني إلى حيوان في صورة إنسان كما قال تعالى : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ . . ( 1 ) . .

--> ( 1 ) سورة الفرقان ، الآية : 44 .