السيد عباس علي الموسوي
90
شرح نهج البلاغة
ليهجر حسبنا كتاب اللّه فقد جرحت هذه الكلمة قلب النبي وآذته حتى أمرهم بالانصراف عنه . . وكيف أغلظ على جبلة بن الأيهم الملك الغساني الذي أسلم حديثا فعاد عن الإسلام وعادت معه عشيرته . وقال ابن أبي الحديد عندما كان يوجه قولة عمر : « إن بيعة أبي بكر كانت فلتة » قال : واعلم إن هذه اللفظة من عمر مناسبة لألفاظ كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله اللّه تعالى من غلظ الطينة وجفاء الطبيعة ولا حيلة له فيها لأنه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها . . إلى أن يقول كما قدمنا قبل ذلك في اللفظة التي قالها في مرض رسول اللّه ( ص ) وكالألفاظ التي قالها عام الحديبية وغير ذلك . . ( يغلظ كلمها ويخشن مسها ) وهذا تفسير لتلك الخشونة العمرية فإنها إذا واجهتك بالحديث آذتك وكان جرحها عميقا وأثره يبقى مدى الدهر وإذا اقتربت منها لحقك ضرر كبير وأذىّ شديد وقد نقل لنا التاريخ عينات من تلك الجروح الدامية يوم صلح الحديبية ويوم وفاة رسول اللّه . . قال ابن أبي الحديد واعلم أن هذه اللفظة - كانت ( 1 ) بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه - قال : واعلم أن هذه اللفظة من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله اللّه تعالى عليه من غلظ الطينة وجفاء الطبيعة ولا حيلة له فيها لأنه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها ولا ريب عندنا أنه كان يتعاطى أن يتلطف وأن يخرج ألفاظه مخارج حسنة لطيفة فينزع به الطبع الجاسي والغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات . . إلى آخره . ( ويكثر العثار فيها والاعتذار منها ) وهذه الحوزة العمرية ذات الغلظة والشدة يكثر الخطأ منها والزلل في مواقفها وبعد الزلل والخطأ يكثر الاعتذار . وهذا بيان لكثرة ما وقع فيه الخليفة من الأخطاء وقد نقلوا عنه كثيرا من القضايا التي أفتى بها ثم نقضها واعتذر عن تغييرها وهذه عينات من ذلك ونماذج منها . . 1 - مر عمر يوما بشاب من فتيان الأنصار وهو ظمآن فاستسقاه فجدح ( 2 ) له ماء بعسل فلم يشربه وقال إن اللّه تعالى يقول : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا فقال له الفتى : يا أمير المؤمنين ، إنها ليست لك ولا لأحد من هذه القبيلة اقرأ ما قبلهايَوْمِ
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد ج 2 ص 27 . ( 2 ) جدح : مزج .