السيد عباس علي الموسوي
66
شرح نهج البلاغة
صورهم يتخيلها الإنسان فيتخوف منها لما فيها من الذل والضر والبؤس ولما فيها من الشدة ، فهذه الفتن التي كانوا فيها كأنها إبل قد داستهم بأخفافها وكم في هذه الصورة من الضعف ، جمل على كبره يدوس إنسانا بخفه تعظيما للفتنة والضلالة واحتقارا وامتهانا لهم أو بقرة تطأ إنسانا أو فرسا تقوم على أطراف حوافرها عليهم . . إنها فتنة شديدة . ( فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون في خير دار وشر جيران ) إنهم لا يدرون الحق من الباطل ولا يميزون الخير من الشر لا يهتدون إلى ما ينفعهم وهم في جهل وعمى لا علم ولا ثقافة ولا حضارة ، إنهم منحرفون عن الحق والصواب وعما فيه خيرهم . . إنهم في خير دار وهي مكة المكرمة فإنها بلدة مقدسة يحترمها الجميع ويشدون إليها الرحال ولكنهم في شر جيران وهي قريش الظالمة المعتدية التي لم تستقم على الجادة ولم تعترف بالحق . . . ( نومهم سهود وكحلهم دموع بأرض عالمها ملجم وجاهلها مكرم ) ما أجمل هذه العبارة وأروعها سبحان من أعطاه البيان لقد جعلهم ينامون ولكن نومهم أرق وقلق وهو أشق من اليقظة وجعلهم يكتحلون والكحل حجر ترتاح له العين وتشفى به وجعلهم يكتحلون بالدموع فهم في حالة بكاء مستمر . وعندما كنت أقرأ عبارته عليه السلام عالمها ملجم وجاهلها مكرم ضربت بطرفي نحو واقعنا المعاش فوجدته ينطبق عليه بدقة وكأننا في زمن الجاهلية فالعلماء وأصحاب الرأي لا يسمح لهم ولا يقبل منهم أنني أنظر إليهم في تيجانهم الكريمة وقد حوصروا في بيوتهم ومنعوا من الحديث وضربت عليهم العصابات أسوارا منيعة منعت من خلالها الناس أن يسمعوا لهم أو يقتدوا بهم . . إنهم مراجع وقادة ولهم الأمر والنهي قد منعوا من الكلام وإن تكلموا فلا أحد يسمع لهم بينما ارتفعت أصوات الجاهلين الذين لا يعرفون أحكام الخلوة والطهارة . . لقد تصدروا الواجهة وصاروا أصحاب الرأي وبيدهم الأمر والنهي وقد نجح الاستعمار في هذا السبيل عندما أبعد عن الساحة أهلها وأصحابها وأتى بمن ليس أهلا لها ولا معرفة له بها . .