السيد عباس علي الموسوي
54
شرح نهج البلاغة
( يردونه ورود الأنعام ويألهون إليه ولوه الحمام ) وهذه صورة واقعية ورسم إلهي فمن رأى حجاج بيت اللّه الحرام عندما يدخلون مكة يقف أمام صورة تدهش العقول . . إنهم جميعا يتوجهون إلى بيت اللّه يتزاحمون للبركة منه والتزود من تلك البقاع المباركة ولو رأيتهم كيف يخشعون ويتضرعون ويبكون ويناجون ربهم بقلوب مملوءة بالحب له والرجاء لرأيت مشهدا عجيبا يضطرك لمشاركتهم ومماشاتهم قهرا عنك فصورة مادية ترسم وأخرى معنوية الأولى ترسم الشكل والثانية ترسم المضمون ويلتقيان في وحدة تشكّل هذا الحاج المتنسك المتعبد . . إنهم كالأنعام تزدحم على مورد الشرب وهم في شوق إليه وحنين أشد من حنين الحمام لألفه كناية عن شدة شوق المسلم إلى تلك الربوع وحنينه إليها . . ( وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزته ) وهذا البيت الحرام جعله اللّه علامة يعرف به المطيع للهّ المتواضع لعظمته من العاصي الشقي المتكبر وهو ميزان الإقرار للهّ بالكبرياء ممن يتكبر على اللّه فإن من يخرج من بيته قاصدا ذلك البيت تاركا أهله ووطنه وأولاده وأمواله متعرضا للأخطار فإنّما يخرج تواضعا للهّ وامتثال أمره وإقرارا بعزته وكبريائه . . ( واختار من خلقه سماعا أجابوا إليه دعوته وصدقوا كلمته ووقفوا مواقف أنبيائه وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه يحرزون الأرباح في متجر عبادته ويتبادرون عنده موعد مغفرته ) في الرواية عن علي بن إبراهيم : ولما فرغ إبراهيم من بناء البيت أمره اللّه أن يؤذّن في الناس بالحج فقال : يا رب وما يبلغ صوتي فقال : أذن عليك الآذان وعليّ البلاغ وارتفع على المقام وهو يومئذ ملصق بالبيت فارتفع به المقام حتى كان أطول من الجبال فنادى وأدخل إصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه شرقا وغربا يقول : أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم فأجابوه من تحت البحور السبعة ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف الأرض كلها من أصلاب الرجال ومن أرحام النساء بالتلبية « لبيك اللهم لبيك . . » . وورد الأمر الإلهي إلى خليل الرحمن بقوله له ( 1 ) : وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ وقد استجاب لنداء الخليل قوم ولبوا دعوته وبادروا إلى امتثالها ووقفوا مواقف أنبيائه وقد تشرفت بحج بيت اللّه الحرام في سنة 1971 وقد كنت أعيش روحانية عظيمة شعرت وأنا في مكة كان رسول اللّه
--> ( 1 ) سورة الحج ، آية - 27 .