السيد عباس علي الموسوي
483
شرح نهج البلاغة
( من مستمتع خلاقهم ومستفسح خناقهم ) هذه بعض ما كانوا يتمتعون به من الدنيا كانوا يأخذون نصيبهم منها ويتمتعون بطيباتها وينالون حظوظهم منها وكانوا في فسحة من الموت الذي يأخذ بأخناقهم فيمنعهم من الحياة . . لقد أخذوا حظهم في مدة حياتهم وطول بقائهم في الدنيا . . . ( أرهقتهم المنايا دون الآمال ) لقد كانوا عقدوا الآمال العريضة على حياتهم وراحوا يرسمون مستقبلهم وما سيصير أمرهم إليه في الدنيا ولكن كل هذا قضى عليه الموت فأهلكهم وسقطت آمالهم دون أن يتحقق منها شيء . . . ( وشذ بهم عنها تخرم الآجال ) قطعهم الموت عن الدنيا بحلوله فيهم وأخذهم بدون إذن منهم ، ومن كانت هذه سيرته يجب أن يعود إلى اللّه ويرجع إلى طاعته . . . ( لم يمهدوا في سلامة الأبدان ) لم يعملوا لآخرتهم ويستعدوا للقاء اللّه في حال الصحة والسلامة وهذه سيئة لا يتنبه لها الإنسان إلا بعد فوات الأوان ، بعد أن يسقط في المرض ويشل قدرته يندم ويأسف . . . ( ولم يعتبروا في أنف الأوان ) لم يتعظوا ويعملوا بما ينفع ويفيد في أوائل أمورهم ومبدأ حياتهم . . في حياتهم لم يستفيدوا ما ينفعهم في رحيلهم . . . ( فهل ينتظر أهل بضاضة الشباب إلا حواني الهرم ) وهذا استفهام استنكاري - للغافلين منا . . إنه تنبيه لنا بأن نعومة الشباب ورقة الجلود واستقامة الأجساد لا تبقى هكذا بل سيأتي عليها الزمن فتكبر فتنحني القامات المستقيمة ويذبل الشباب ويذوي . . . ( وأهل غضارة الصحة إلا نوازل السقم ) وهذه الصحة العامرة والتي لم يمر في ذهن أصحابها أنها تمرض هذه سينزل بها المرض الشديد فيقعدها عن الحركة ويمنعها من الرقاد ويجعلها تأنّ وتتألم . . . ( وأهل مدة البقاء إلا أونة الفناء ) وهؤلاء الذين كانوا من أهل البقاء حيث كانت تدفعهم أحوالهم الجيدة إلى ذلك هؤلاء ينتظرهم الموت الذي ينقلهم من دارهم فيها إلى آخرة لم يعرفوها . . . ( مع قرب الزيال ) فالمفارقة قريبة جدا وكل منا ما أسرع خطاه نحو الآخرة ومفارقة الأحبة . . . ( وأزوف الانتقال ) قرب الانتقال عن هذه الدار إلى الدار الآخرة . . .