السيد عباس علي الموسوي

48

شرح نهج البلاغة

الحقيقي كما هو الحال من جعل له ولدا وجعله أبا . ومنهم من أطلق لفظ اللّه وأشار به إلى غيره فيطلق لفظة اللّه ويريد بعض مخلوقاته كما هي الحال عند بعض الكفار . . وفي هذا الجو من الاختلاف والانحراف بعث اللّه محمدا . ( فهداهم به من الضلالة وأنقذهم بمكانه من الجهالة ) فقد كانت البشرية تعيش ضالة منحرفة لا تعرف ربها ولا تعرف ما يريد بها ومنها . . . تعيش الكفر والبعد عن كل نافع ومفيد . . . كان القوي يأكل الضعيف والكبير يظلم الصغير والجور يخنق العدل فبعث اللّه محمدا فهداهم إلى الحق والعدل وارتفع الظلم وعمّ العدل وأنقذهم بوجوده من الجهل إلى نور المعرفة والإيمان . ( ثم اختار سبحانه لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لقاءه ورضي له ما عنده وأكرمه عن دار الدنيا ورغب به عن مقام البلوى فقبضه إليه كريما صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) بعد جهاد مرير وتعب وكفاح . . وبعد أن بلّغ الناس رسالة اللّه وأدى إليهم ما أراد سبحانه اختار له لقائه فقد اختار النبي ما اختار اللّه له من قربه وجواره ولذا كان رسول اللّه عند الوفاة بعد أن خيّر بين الدنيا وما فيها وبين لقاء اللّه اختار لقاء ربه لأن المحب اشتاق إلى حبيبه وقد رضي اللّه له ما عنده من الثواب والنعيم والقرب وأكرمه عن دار الدنيا الدنية وما فيها من شوائب ونواقص وما تتضمن من أحداث ومشاكل وأراد أن يبعده عن دار الابتلاء والاختبار فقبضه اللّه إليه كريما لم تدنسه الدنيا ولم تغيّر من نفسيته الطاهرة شيئا بل جاء إلى الحياة فشرفها . ( وخلف فيكم ما خلفت الأنبياء في أممها إذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح ولا علم قائم ) وهذه طريقة الأنبياء وسيرتهم ولم يختلف عنهم محمد ولم يخالفهم فيها . . إن الأنبياء يتركون بعدهم في أممهم وشعوبهم ما يمنعهم من الفرقة والتشتت ومن التنازع والاختلاف . . إنهم يجعلون لهم جننا واقية من الانهيار والانحراف فكانت الكتب وكان الأوصياء ورسول اللّه قد وضع لأمته معالم النجاح وقوارب النجاة . . . لقد رسم لهم الدرب وبيّن لهم طريق الرشد وهداهم إلى ما فيه نجاتهم وصلاحهم وقال في الحديث المتواتر المتسالم على صحته : « تركت فيكم ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي . . كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي . . وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض . . » . وقد نص على ولاة الأمر من بعده وعيّنهم بأسمائهم وأسماء آبائهم فكانوا أئمة أهل البيت لا تخلو منهم الأرض وهم الحجج على الخلق وبهم ينزل اللّه المطر وبهم يقام الحق والعدل ولكن بسفه الأمة وظلمها لنفسها تنكبت عنهم وانحرفت إلى غيرهم فكان الظلم وكان الضلال وما وصلنا إليه من تأخر وتقهقر . .