السيد عباس علي الموسوي
43
شرح نهج البلاغة
فحق اللّه أن يؤمنوا به ولا يشركوا به شيئا ولكن الشياطين أضلتهم وحرفتهم عن ذلك فجهلوا حقه بعد المعرفة . . وكفروا به بعد أن أقروا واعترفوا . . وجعلوا له أشباها ونظراء تصوروه كما شاءوا وكما تخيلوا وصرفتهم الشياطين عن معرفته الحقيقية ومالت بهم عن الإيمان الصحيح وصرفتهم عن عبادته إلى عبادة غيره من أصنام وأوثان وميول وأهواء وقد تفنن هذا الإنسان في الانحراف حتى بلغ به الإسفاف إلى عبادة البقر بل إلى أحط من ذلك وأحقر . . ( فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول ويروهم آيات المقدرة ) وهذه علة بعث الرسل عندما انتشر الفساد وضل الناس أرسل اللّه لهم رسله وجعلهم واحدا إثر واحد تتصل دعوتهم وتقوم حجتهم كما قال تعالى ( 1 ) : ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كذَبَّوُهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ومهمة الرسل ودعوتهم ليجعلوا الناس يؤدون عهد الفطرة الذي أعطوه لربهم من الإيمان به والتوجه إليه ويذكروهم ما نسوا من نعمه التي لا تعد ولا تحصى فإن الإنسان ينسى بل يبطر ويكفر بالنعمة فيأتي الرسل ليعيدوا هذا الإنسان إلى رشده ويذكروه ما نسي من نعمة اللّه وكذلك من أسباب بعث الرسل أن تصل الحجة إلى الناس ويعرف كل واحد تكليفه الواجب عليه القيام به فلا يكون له عذر يوم القيامة إن قصّر في الأداء ورفض الأمر وتمرد على الحكم وكما قال تعالى ( 2 ) : إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ . وكذلك من أسباب بعث الرسل إثارة ما أودعه اللّه في عقول بني آدم فإن الأنبياء كانوا يحركون عقول الناس ويطلقونها من عقالها ، كانوا يقولون للناس فكروا في خلق السماوات والأرض وفكروا في أنفسكم . . . فكروا في مخلوقات اللّه وفي تركيبها ودقة صنعها . . . فكروا بعقولكم وليس بعقول غيركم وعاداتهم وتقاليدهم . فإنه يدرك أنه لا بد لكل معلول من علة ولكل حادث من محدث ولكل مسبب من سبب وهذا قانون يدركه العقل بالبداهة والفطرة أودع اللّه فيه ذلك ليستدل من خلاله على وجود سبب أول للعالم هو الخالق له والموجد لكل ما فيه ولذا لم يأت نبي يقول للناس عطلوا عقولكم ثم اتبعوني بل قال لهم : « إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ » ( 3 ) قال لهم : من لا عقل له لا دين له . . .
--> ( 1 ) سورة المؤمنون ، آية - 44 . ( 2 ) سورة الأنفال ، آية - 42 . ( 3 ) سورة الرعد ، آية - 19 .