السيد عباس علي الموسوي

411

شرح نهج البلاغة

جهة أخرى ، ولم يكد يجمعهم للحرب من ناحية إلا وقد تفرقوا من أخرى . . . ( كلما أطلّ عليكم منسر من مناسر أهل الشام أغلق كل رجل منكم بابه وانجحر انجحار الضبة في جحرها والضبع في وجارها ) بيّن عليه السلام شدة خوفهم وفزعهم وما هم عليه من الهلع والهزيمة وقد حكى واقع حالهم وسوء فعالهم وانه عندما كانت تشرف كتائب معاوية وتطل عليهم ويسمعوا بها فعوضا عن مقابلتها ومطاردتها وجهادها يغلق كل رجل منهم باب بيته ويدخله فزعا وخوفا أن يقع بين يدي ذلك الجيش الغازي المعادي وشبههم بأنثى الضب وأنثى الضبع في الجبن والغباء . أقول : وما أشبه الليلة بالبارحة وما أشد انطباق هذا الكلام على واقعنا العربي والإسلامي حيث تعيش إسرائيل التي احتلت فلسطين وشردت أهلها تعيش بآلتها العسكرية تدمّر وتخرب ، تغزو سماء لبنان وتضرب العراق وتجتاز إلى أوغندا وتقتل الفلسطينيين في تونس وكل قطر يسأل اللّه العافية ويدعوه أن يرفع عنه بلاء إسرائيل ويقول : انج سعد فقد هلك سعيد . . . ( الذليل والله من نصرتموه ) بيّن أن نصرهم لإنسان إذلال له وهزيمة لأنهم جبناء المواقف لا يجمعهم رأي ولا يوحد كلمتهم مقام يهربون من مواجهة الأعداء ويجبنون عن ملاقاة الخصماء . . . ( ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل ) ثم شبههم بالسهم المنزوع النصل المكسور الفوق الذي لا يرمى به وإذا رمي به لا يصيب وكذلك حالهم فإذا وجههم الإمام إلى جهة أو إلى عدو فلن يصيب بهم عدوه ولن ينتصر بهم عليه بل هم مصدر الهزيمة والتراجع . . . ( إنكم واللّه لكثير في الباحات قليل تحت الرايات ) وهذه صفة ذم ودليل انهيار المجتمع وفساد الأمة يصف بها الإمام أهل العراق . . إنهم كثيرون في النوادي والملاهي والملتقى العام الذي يقصده الباطلون والعاطلون ولكنهم قليلون في ساحات الجهاد وفي مواجهة الأعداء ، ففي المواطن التي يجب أن يكون فيها الرجال فهم مفقودون وفي المواطن التي يجب أن ينتزه عنها الشرفاء وأصحاب الكرامة فهم موجودون بكثرة . . . ( وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي ) . علي عارف بما يصلح الناس : وهذه حقيقة تمتع بها ابن أبي طالب وانفرد بها عن كل رجالات الحكم والسياسة ورد في هذه الكلمة على ما يمكن أن يكون قد سمعه من بعض أصحابه المخلصين له