السيد عباس علي الموسوي
364
شرح نهج البلاغة
بقي أياما دون أن يرسل إلى معاوية رسولا أو معاوية يرسل إليه خبرا أو رسولا ، يتوقع الإمام من أصحاب معاوية أن يروا عدله وحسن سيرته وسمته فيهتدي إلى الحق من أراد وفي هذه الفترة ضج أهل العراق وضاقت صدورهم وأخذوا يتحدثون فيما بينهم فهذا يقول إن الإمام كره الموت وخافه ولذا يؤخره وذاك يقول : إنه شك في قتال أهل الشام ولم يظهر له جواز قتالهم فلما سمع الإمام منهم ذلك قال كلمته ردا عليهم مفندا مدعاهم وأنهم على خطأ وباطل من القول . . . أما قولهم إن تأخيره القتال كراهيته الموت وبغضا به فهذا ما لا يفكر فيه علي ويقسم باللهّ وهو البار الصادق في قسمه إنه لا يهمه الموت ولا يحسب له حسابا سواء قصده الموت أم هو قصد الموت فإن الموت لا يخيف المتقين الصادقين فكيف يخيف الأولياء المقربين . . . ( وأما قولكم شكا في أهل الشام فو اللّه ما دفعت الحرب يوما إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي وتعشو إلى ضوئي وذلك أحب إليّ من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثمها ) بعد أن رد على من قال إنه يؤخر الحرب خوفا من الموت رد هنا على من قال إنه يؤخرها شكا في أهل الشام يقول لهم : إنه لم يؤخرها لشكه في جواز قتالهم فإن وجوب قتالهم ظهر للعيان وهو عنده من المسلمات حيث أخبره النبي بقتاله لهم أو من حيث أنه الخليفة الشرعي الذي يجب أن يرد الناس إلى الطاعة والجماعة ومن خرج عن ذلك وجب قتاله وأهل الشام من هذا القبيل ولكن تأخيره للقتال كان ينظر من ورائه إلى غاية سامية عظيمة هي رجاؤه في أن يتبصّر بعض الناس ويدرك الحقيقة فيهتدي إلى طريق النجاة وما هو عليه فيلحقه ويدرك حفظه في الخير والحق وهذا هو هدف كل الأنبياء والمصلحين فليس الحرب هدفا في نفسها وإنما هي من أجل غاية أسمى من أجل هداية الناس وإرشادهم وردهم إلى الطريق المستقيم والإمام لا يريد أن يقتل الكافر أو الفاسق وإنما يريد أن يقتل الكفر والفسق المتجسد في نفسه فإذا أدرك ذلك فلا يهمه قتله ، فتأخير القتال رجاء عودة بعض الضالين والمنحرفين وهدايتهم إلى الحق أحب إليه من قتلهم وإن كان فيما لو قتلهم كانوا من أهل المعصية وعادوا إلى النار بما انحرفوا وارتكبوا من المحرمات . . لقد كان همّ الإمام والأئمة من ولده أن يرشدوا الناس إلى الحق ويسعوا من أجل ذلك وقد كان يؤذيهم إصرار الناس وعنادهم على الكفر والضلال فكانوا لا يتركون فرصة إلا واغتنموها من أجل هدايتهم وإرشادهم . . .