السيد عباس علي الموسوي
356
شرح نهج البلاغة
أجل تحقيق ما نصبو إليه هكذا وبهذا اللسان يدفعنا الأمل لننسى أننا على أهبة الاستعداد للرحيل وأنه لا بد منه وقد يكون طول العمر من أسباب نسيان الرحيل ، فلأنه تقدم في العمر وفي صحة جيدة وعافية يظن أنه لا يزال الوقت بعيد . . . كلا فإن الذي يطلب الصغير يطلب الكبير فعلى كل واحد أن يستعدّ . . . ( فو اللّه لو حننتم حنين الولّه العجال ودعوتم بهديل الحمام ) أقسم عليه السلام باللهّ بأنهم لو عاشوا لوعة الشوق والألم الذي يبلغ منتهاه وأصبحوا كما هو الحال عند النياق إذا فقدن صغارهن فإنهن يظهر عليهن ذلك في حركاتهن وحيرتهن . . . أو يكونوا في الوفاء للهّ كالحمام التي تفقد إلفها فتبقى تعيش الألم والحزن وتكاد تموت حزنا . . ( وجأرتم جؤار متبتلي الرهبان ) كنتم في انقطاعكم للهّ ونداءكم له واستغاثتكم به كالرهبان الذين يعرفون بذلك في الزمن الأول كما هو معروف يوم كان للمسيح مريدون أما الآن فأكثر ما يسمى رهبان عراة من هذه الصفة . . . ( وخرجتم إلى اللّه من الأموال والأولاد ) بأن قدمتم أموالكم أمامكم حقوقا وصدقات وإحسان وخيرات . وأما الأولاد فقد آثرتم اللّه عليهم وطلبتم رضى اللّه وحبه على حبهم ورضاهم . ( التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده أو غفران سيئة أحصتها كتبه وحفظتها رسله لكان قليلا فيما أرجو لكم من ثوابه وأخاف عليكم من عقابه ) لو قمتم بكل ما ذكرت وفعلتم كل ما قلت من أجل اللّه ومن أجل القرب منه وتحقيق رضاه لكان ذلك قليل في جنب ما أعده اللّه للمطيعين العاملين ولو كان ذلك أيضا يطلب به غفران ذنب واحد لكان ذلك قليل مما أعده اللّه من عقابه . . . وبعبارة مختصرة الإنسان يعمل من أجل أن يصل إلى درجة معينة أو من أجل أن يمحي سيئة معينة وكل ذلك لا يعد شيئا مقابل ما أعده اللّه للمطيعين من الثواب وللعاصين من العقاب . . . ( وتاللهّ لو انماثت قلوبكم انمياثا ) أي لو ذابت قلوبكم وتفتت . ( وسالت عيونكم من رغبة إليه أو رهبة منه دما ) بلغت بكم الحال مبلغا عظيما بحيث بكيتم بدل الدموع دما ورغبة في ثوابه وما أعدهّ اللّه لأهل طاعته أو خوفا منه وفزعا لما أعده لأهل معصيته . . .