السيد عباس علي الموسوي

355

شرح نهج البلاغة

العلوم والمعارف قد تجهله وتتنكر له ولم يعد لك صلة به ، إنها تمشي بسرعة وتنقضي على عجل بل ما أعجل أيامها وأسرع سنين العمر فيها وعودة سريعة إلى ما اختزنه الإنسان في عقله أو حوته مفكرته عن ماضيه يدرك كيف مرت الأعمار وانقضت الأيام . . . ( فهي تحفز بالفناء سكانها وتحدو بالموت جيرانها ) هذه الدنيا تسوق سكانها وتدفعهم إلى الفناء فإن كل يوم يمر يدفع بهذا الإنسان نحو الموت والفناء فالموت في كل يوم ومع كل لحظة فأنت مجموعة أيام كلما مرّ يوم مات شطر منك فكأن الدنيا هي التي تدفعك إلى الفناء وإنها لتسوق جيرانها الذين هم الناس باعتبار قربهم منها إلى الموت وإن دنيا تدفع بهذا الإنسان إلى الموت جدير به أن يزهد فيها ويعدّ العدة لما بعدها . ( وقد أمرّ فيها ما كان حلوا وكدر منها ما كان صفوا ) ما كان حلوا لذيذ الطعم طيب المذاق قد يصبح مرا علقما فالمريض يتحول العسل في فمه إلى خل والحلو إلى مرّ ويرى الأمور الجميلة قبيحة وتتحول الدنيا بسعتها إلى أضيق من سم الخياط ، . . إن أيام الصفاء والهدوء قد تكدرت فالشباب أتى عليه المشيب والغنى أتى عليه الفقر والصحة أتى عليها المرض ، والحياة أتى عليها الموت وهكذا عدّد ما شئت واذكر من شئت فستجد كل لذة يعقبها مرارة حتى ما تتصور اللذة فيه كالّاكل والنكاح يتحول إلى أسباب للمرض والضغث والانحلال ويسرّع في فناء الإنسان وزواله عن الدنيا . . . ( فلم يبق منها إلا سملة كسملة الإدواة أو جرعة كجرعة المقلة لو تمززها الصديان لم ينقع ) هذا تحقير للدنيا وتصغير لشأنها إذ أنه لم يبق منها إلا شربة قليلة وبقية حقيرة شبهّ ما فيها وما يطمع الإنسان به منها ببقية الإناء التي يتطهّر به أو بما يتنازع به من الماء فلقلته ، يجعل لكل واحد قليل منه لو أراد أن يشربها الإنسان لا ترويه ولا تطفئ ظمأه والدنيا بما فيها حقيرة بهذا المستوى لا يأكل منها إلا بمقدار شبعه ولا يشرب منها إلا بمقدار ما يرتوي ولا يلبس فوق حاجته وهكذا دواليك وهذا جزء قليل مما فيها وحقير لا يستحق التنازع عليه والقتال من أجله . . . ( فازمعوا عباد اللّه الرحيل عن هذه الدار المقدور على أهلها الزوال ولا يغلبنكم فيها الأمل ولا يطولن عليكم فيها الأمد ) بعد أن بيّن هذه الدنيا وحقارتها وإنها لا تستحق الاهتمام قال اجمعوا أمركم واعزموا على الرحيل عنها فإن الرحيل مكتوب على أهلها فكل نفس ذائقة الموت ثم نهانا عن غلبة الأمل بأن يمنّينا بأن أمامنا آمال يجب أن نحققها . يجب أن نملك المال والثروة والجاه والسلطان . . يجب أن نسعى ونكد من