السيد عباس علي الموسوي

350

شرح نهج البلاغة

فقال معاوية : دع عنك ما مضى فما ظنك بعلي . قال : ظني إنه لا يستحل منك ما استحللت منه وإن الذي جاء له غير الماء . . . ثم قال أصحاب الإمام للإمام : امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك . فقال : لا خلوا بينهم وبينه لا أفعل ما فعله الجاهلون سنعرض عليهم كتاب اللّه وندعوهم إلى الهدى فإن أجابوا وإلا ففي حد السيف ما يغني إن شاء اللّه يقول الراوي : فو اللّه ما أمسى الناس حتى رأوا سقاتهم وسقاة أهل الشام ورواياتهم وروايا أهل الشام يزدحمون على الماء ما يؤذي إنسان إنسانا . . . والإمام يقول لأصحابه في هذه الخطبة إنهم طلبوا منكم القتال وأرادوا أن تطعموهم إياه عندما منعوكم من ارتياد المشرعة وأنتم بين أحد خيارين . إما أن تقبلوا بذلك فلا تحركوا ساكنا ترضون بالذل والهوان وتتأخرون عن المحلة الرفيعة والمقام الكريم وهذا ما لا يرضاه اللّه لكم ولا ترضونه لأنفسكم فإن العزة للهّ ولرسوله وللمؤمنين . وإما أن تسقوا السيوف من دمائهم وعندها تسقون من الماء ، فالمقدمة لكي تشربوا وترتوا أن تشرب سيوفكم من دمائهم فهي التي تمهد لكم الدخول إلى المشرعة وتسهل لكم شرب الماء وما أعظم هذا البيان العلوي الذي يحرك الجماد ويدفع بالجبان إلى لهوات المعارك والقتال ويؤهله ليكون من الشجعان . . . ( فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين ) . نشيد الأحرار : هذا نشيد رائع وضعه الإمام إمام القادة والأحرار فأخذوا يرددونه باستمرار أمام جيوشهم ورعيتهم يتغنون به ويعزفون معه موسيقى النصر وآيات المجد . . كلمات معدودة تختصر الموت كما تختصر الحياة . . على أساسها نعرف حياة الأمم ونعرف موتها كما نعرف حياتنا وموتنا . . ميزان صحيح وسليم يضعه الإمام بين أيدينا يدفعنا من خلاله أن نكون أحياء . . فحياة الذل والهوان والضعة والعار هي موت حقيقي وإن كانت في ثوب الأحياء ، فالشعوب المستعمرة التي يمارس عليها الظلم وتستلب خيراتها وتصادر حرياتها هي شعوب ميتة وإن كانت تتنفس وتتحرك كالأحياء . . . فالموت هو في الحياة الذليلة الوضيعة المهانة . . .