السيد عباس علي الموسوي
327
شرح نهج البلاغة
وهدد أمن المواطنين حتى قتل بعضهم فوجهّ إليه الإمام معقل بن قيس فتعقبه نحو جبال رامهرمز فانهزم الخريت ولكنه هرب مع جماعة إلى بلاد فارس حتى انتهوا إلى أسياف البحر وكان هناك قوم نصارى قد ارتدوا عندما رأوا ما يحدث بين المسلمين فأكمل معقل طريقه وهجم على الخريت فقتله وانهزم أتباعه فأعمل السيف في مستحقهم ثم أخذ النصارى أسرى وسار بهم حتى مرّ على مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو عامل الإمام علي على أردشير خرة وهم خمسمائة إنسان فبكى إليه النساء والصبيان وتصايح الرجال واستغاثوا به فاشتراهم بخمسمائة ألف درهم وأطلقهم وأكمل معقل مسيره حتى وصل إلى أمير المؤمنين فأخبره الخبر وما كان من أمر مصقلة فقال له : أحسنت وأصبت ووفقت وانتظر الإمام أن يبعث مصقلة بالمال فأبطأ به فكتب إليه أن يدفع المبلغ المرقوم وإلا فليأتي إليه فأتى إلى الكوفة فأقره أياما ثم طالبه بالمال فأدى إليه مائتي ألف درهم وعجز عن الباقي ثم فر إلى معاوية فكانت هذه الكلمة المباركة من الإمام في حقه فقد دعا عليه أن يبعده اللّه عن الخير ويقذف به جانبا عن فعل المعروف لما أرتكبه من فعل شائن حيث أنه فعل فعل ذوي الكرامة والشهامة الذين إذا استغاث بهم مغيث لبوا استغاثته واستجابوا لطلبه . . فعل ذوي المروءات الذين لا تغمض لهم عين وعيون اللاجئين إليهم ساهرة ولكنه مقابل هذا الفعل الشريف فرّ من الحق والعدل فرار العبيد خوفا من المواجهة فإن الجبان العاجز لا يقدر على مواجهة خصمه فيلوذ بالفرار وكذلك حال العبيد . . . ( فما أنطق مادحه حتى أسكته ولا صدّق واصفه حتى بكته ) فلم يكد يسمع السامع بفعله الكريم ويبتدأ بمدحه والثناء عليه والإشادة بهذا العمل الشريف حتى يطرق سمعه نبأ فراره وهربه من وجه العدالة فلا يكمل المدح ولا يستمر بالإطراء . . . وكذلك لم يصدق واصفه بالفعل الكريم والعمل الشريف حتى يضطر أن يعنفه ويسبه ويتكلم عليه بما يشينه لأنه أتبع الفعل الجميل بفعل قبيح فغطّى عليه وقضى على حسنه . . . ( ولو أقام لأخذنا ميسوره وانتظرنا بماله وفوره ) ثم بيّن الإمام أسلوبه وطريقة عمله فيما لو بقي الشريف على مقامه المحمود ولم يفر بأنه كان سيتخذ معه طريق الكرام فيقبل ما هو متيسر له وموجود عنده ثم يمهله بالباقي إلى وقت وجوده وتوفره فيأخذه وبذلك يحفظ ماء وجه الكريم كما يحفظ أموال الأمة وعامة المسلمين .