السيد عباس علي الموسوي

320

شرح نهج البلاغة

تهوى أذاها وكفّ النفس عما تهوى دواؤها . . وأما علة الخوف من الأمل فإنه ينسى الآخرة ومن هنا يأتي الخطر في الأمل وهو أن يمتد أمله فيسيء عمله وينسى آخرته . . أمله أن يصبح صاحب ثروة ضخمة فيعمل من أجل ذلك ويسعى في سبيل ذلك فيروح يجمع المال من حله ومن حرامه من الطرق المشروعة والأخرى الممنوعة ناسيا آخرته وإنه سيعود إلى ربه فيحاسبه على المال الحرام . . . ويمتد أمله إلى بناء شخصيته فيعمل على قطع أرحامه ومنازعة أصحاب الحق حقوقهم ويعتدي ويتجاوز المرسوم وهكذا ينسى الآخرة وحسابها وهذا هو الأمل المذموم المكروه . . وأما إذا كان الأمل مع حفظ الآخرة وعدم نسيانها فإن الإسلام يرغب فيه ولولاه لانقطع العمل . . لولاه لم يسع الإنسان لعزته ولم يبن الحياة ويسعدها أو ينطلق في أجواء الحضارة . . لولا الأمل ما أرضعت أم ابنها ولا سعى والد من أجل ولده ولا وضع الإنسان حجرا فوق حجر . . ومن هنا ورد الذم للأمل المنسي للآخرة ففي الصحيفة السجادية : اللهم صلّ على محمد وآل محمد واكفنا طول الأمل وقصرّه عنا بصدق العمل حتى لا نؤمل استتمام ساعة بعد ساعة ولا استيفاء يوم بعد يوم ولا اتصال نفس بنفس ولا لحوق قدم بقدم وسلمنا من غروره وأمنا من شروره . . . ( ألا وإن الدنيا قد ولّت حذّاء فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء اصطبها صابّها ) تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة أما الدنيا فإنها مضت مسرعة وما أسرعها في عمر الإنسان ولم يبق منها إلا قليل جدا لا ينظر إليه ولا يهتم به وشبهها ببقايا الإناء التي شرب ماؤها ولم يبق إلا حثالة قليلة لا ينظر إليها كذلك من مضت أيامه وانقضت أوقاته ولم يبق له من الدنيا إلا هذه الجرعة الباقية من عمره يجب أن يزهد فيها وينعى وجودها عنده . . . ( ألا وإن الآخرة قد أقبلت ) لأن الدنيا إذا ذهبت ومضت وجاءت الآخرة وما أسرع ما يصل إليها الإنسان . . إنه يمشي نحوها بسني عمره القصيرة فكل يوم يمضي يقترب من الآخرة وبمقدار بعده عنه يلتقي مع آخرته . . . ( ولكل منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن كل ولد