السيد عباس علي الموسوي
312
شرح نهج البلاغة
ومن أعجب ما رأيت أنني رأيت بعض العلماء المتدينين والمعروفين بصدق الإيمان يشن حملة عنيفة على من يذهب لعيادة الطبيب بحجة أن هذا يتنافى والإيمان باللهّ ولحسن الصدف وجدته يضع نظارته على عينيه فقلت له وكيف أنت حصلت على هذه النظارات وكيف تستعملها وهي لم تكن على عهد رسول اللّه وتتنافى أيضا مع الإيمان باللهّ فعندها غمغم القضية وارتبك ولم أحب أن أحرجه أكثر من ذلك أو أتابع معه الحديث في هذا الشأن . . . ثم بين الإمام العلل والأسباب الداعية لوجوب الإمارة . ( وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ) لا بدية الإمارة على الناس أمر يفرضه العقل فإن الجسد لا بد له من رأس يديره ويدبر شؤونه ويوجهه لما فيه المصلحة ، والناس لا يصلحهم إلا أمير المؤمنين يرعى شؤونهم ويصلح أحوالهم وإلا دبت الفوضى وسواء كان هذا الأمير برا أم فاجرا فإنه ضروري الوجود ولا بد من حضوره أما إذا كان برا فيعمل المؤمن بتكاليفه المفروضة عليه وتعميم شعائره المطلوبة منه ويؤدي واجباته كاملة غير منقوصة بحرية وإرادة وأما في إمرة الفاجر فيتمتع بها الكافر حيث تباح له المحرمات ولا يمنعه عن ممارستها مانع . وبعضهم أرجع ضمير في إمرته إلى الأمير الفاجر بخصوصه ولكن لا داعي لذلك بعد أن كان الأقرب إلى الفهم وما ينسجم مع التفسير أن يرجع الأول للأول والثاني للثاني بحيث يعمل في إمرة البر المؤمن ويستمتع في إمرة الفاجر الكافر . . . ( ويبلّغ اللّه فيها الأجل ) أي هذه الإمرة لا بد وأن تنتهي إلى أجلها المضروب لها عندها تنتهي وتتوقف ويتعطل مفعولها ويرجع الإنسان إلى اللّه وفي هذا تذكير للإنسان بنهايته وإن مدة بقائه قصيرة محدودة . . . ( ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر ) وهذه من خصائص الإمرة ومن ضروريات وجودها إنها تجمع ما توفر من الأموال العامة العائدة إلى المسلمين ومصالحهم من خراج وجزية وغنيمة وغيرها من الموارد فتوزعها على أهلها والمستحقين منهم . . . كما إنها تجمع الجند وتنظمه وتبعث به إلى قتال العدو وفتح البلاد . . . وبهذه الإمرة وما لها من سطوة وسلطة وقهر وقوة وعزيمة وشوكة يخالفها الأشرار وقطاع الطرق والسراق فلا يقدمون على هذه الأفعال خوفا منها فتأمن الطرق ويعم الأمن والسلام ويطمئن الناس إلى أعمالهم وأموالهم .