السيد عباس علي الموسوي
275
شرح نهج البلاغة
( وأشهد أن لا إله إلا اللّه لا شريك له ليس معه إله غيره وأن محمدا عبده ورسوله صلى اللّه عليه وآله ) اعتراف وإقرار للبركة والتذكير تعليما لنا وتأديبا بأن اللّه واحد لا شريك له وأراد تأكيد هذا المضمون بنفي الشريك معه واتبع ذلك بالشهادة لمحمد بأنه عبد اللّه ورسوله . . ( أما بعد فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث الحسرة وتعقب الندامة ) قبل أن يدخل في مقصوده أراد أن يبين كبرى كلية وقضية حقيقية ومفادها أن رفض قبول رأي الإنسان الناصح الذي يؤدي النصيحة وهي لا تؤدي إلا إذا قلب الناصح وجه الأمور وصدرها وعرف أسفلها وأعاليها ودخل إلى عمقها الشفيق الذي دفعه العطف والحب ومن كان شفوقا على إنسان بحث عما يريحه وينفعه . . . العالم الذي يعرف الأمور وله خبرة بها واطلاع عليها المجرب ، الذي تتبع القضايا وأدرك صحتها فإن هذا الإنسان الذي اجتمعت فيه هذه الصفات إذا خالفه أحد كان خلافه ورفض قوله وعدم قبوله يورث الألم والحسرة ويأتي بالندامة والملامة . . ( وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري ) إشارة منه بل تصريح إلى أنه رفض التحكيم ولم يقبل به وقال لأهل العراق لا تضعوا سيوفكم إلا بعد النصر وتحقيق الأمر وإن معاوية وعمرو بن العاص ومن خلفهما لم يرفعوا المصاحف طاعة لحكمها وإنما رفعوها خدعة وغدرا فأبوا عليه ورفضوا قوله وخرجت الخوارج عليه وأجبرته على قبول التحكيم . . ( ونخلت لكم مخزون رأيي لو كان يطاع لقصير أمر ) استخلصت لكم الرأي الصحيح مما جربته ووقفت عليه وعلمته وهو رفض التحكيم ومتابعة القتال ولكن لم تطيعوا رأيي بل عصيتم وتمردتم . والحق معي ومع ما ذهبت إليه من الرأي وقوله لو كان يطاع لقصير أمر فهو مثل يضرب لكل ناصح عصى وهو مصيب في رأيه . وأصله : إن جذيمة الأبرش من ملوك العرب كان قد قتل أبا الزباء ملكة الجزيرة وبعد فترة بعثت إليه ليتزوجها خدعة منها له وسألته القدوم عليها فأجابها إلى ذلك وخرج إليها في ألف فارس وخلّف باقي جنوده مع ابن أخته عمرو بن عدي وكان قصير مولى له أشار عليه أن لا يتوجه إليها فلم يقبل رأيه فلما قرب جذيمة من الجزيرة استقبله جنود الزباء بالعدة ولم ير منهم إكراما له فأشار عليه قصير بالرجوع عنها وقال : إنها امرأة ومن شأن النساء الغدر فلم يقبل فلما دخل إليها غدرت به وقتلته فعندها قال قصير :