السيد عباس علي الموسوي
258
شرح نهج البلاغة
( قد طامن من شخصه وقارب من خطوه وشمر من ثوبه وزخرف من نفسه للأمانة واتخذ ستر اللّه ذريعة إلى المعصية ) بين عليه السلام الوسائل والطرق التي يصطاد بها هذا الرجل قلوب الناس . . إنها طرق شريفة يسلكها الصالحون وأرباب المعرفة ، وأهل التقى والإيمان يسلكها هذا الشخص بنفسه ويقلدهم فيها . . إنه قد طامن من نفسه أي تواضع والتواضع علامة الدين فإن المتكبر بعيد عن الدين لأنه خلاف تعاليمه ووصاياه وقارب من خطوه ليظهر عليه الوقار والسكينة وعدم الطيش والخفة وشمّر من ثوبه ليظهر أنه محتاط في طهارته وبالتالي متدين ملتزم وأيضا يزخرف من نفسه للأمانة فهو يمدحها أمام الناس ويعدّد طاعاته المقربة من اللّه وأعماله الشرعية كي يكون موضع أمانات الناس وأسرارهم . إنه اتخذ هذه الأفعال ذريعة إلى المعصية . . فهذه كانت سترا ووقاية جعلها اللّه ليدخل منها الإنسان إلى الطاعة والجنة وما فيه رضى اللّه وإذا بهذا الشخص يتخذ هذه الأمور التي يطمأن إلى أن من اتخذها كان من عباد اللّه الصالحين ، يتخذها هذا وسيلة من أجل معصية اللّه التي هي طلب الدنيا والترأس فيها على الناس . . ( ومنهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه وانقطاع سببه فقصرته الحال على حاله فتحلى باسم القناعة وتزين بلباس أهل الزهادة وليس من ذلك في مراح ولا مغدى ) وهذا رابع الأربعة ممن يطلب الدنيا ويريدها ولكن العجز أقعده والقلة منعته . . إنه في قرارة نفسه يريد الملك والرياسة والسلطة ولكن ضعته وحقارة نفسه وعدم ملكه للأسباب التي توفر ذلك كان وراء قعوده وسكونه وأضحى كما هو على حاله التي يقدر عليها فتحلى باسم القناعة وهذا كثير ما يستعمله العاجز وغير المتمكن فهو لا يقدر على شراء سيارة فيشتري دراجة ويظهر أمام الناس أنه قانع راض ولكن في الحقيقة لم تكن قناعة عن قدرة وإنما كانت عن عجز . . وتزين بلباس أهل الزهادة من ممارسة العبادات والبعد عن المحرمات والقيام ببعض المستحبات . ثم إنه عليه السلام نفى عنه القناعة والزهد أصلا وعبّر عنهما بقوله وليس من ذلك في مراح ولا مغدى . ( وبقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع وأراق دموعهم خوف المحشر ) هذا هو القسم الخامس الذي لم يذكره الإمام مع الأربعة المتقدمين إنه قسم أفرده لخصوصياته وخصائصه وما يتمتع به من مناقب وصفات . . صنف عز وجوده في زماننا ، أقل من