السيد عباس علي الموسوي
253
شرح نهج البلاغة
الحال على حاله ، فتحلّى باسم القناعة ، وتزيّن بلباس أهل الزّهادة ، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى . الراغبون في الله وبقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع ، وأراق دموعهم خوف المحشر ، فهم بين شريد نادّ ، وخائف مقموع ، وساكت مكعوم ، وداع مخلص ، وثكلان موجع ، قد أخملتهم التّقيّة ، وشملتهم الذّلّة ، فهم في بحر أجاج ، أفواههم ضامزة ، وقلوبهم قرحة ، قد وعظوا حتّى ملّوا ، وقهروا حتّى ذلّوا ، وقتلوا حتّى قلّوا . التزهيد في الدنيا فلتكن الدّنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ ، وقراضة الجلم ، واتّعظوا بمن كان قبلكم ، قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم ، وارفضوها ذميمة ، فإنّها قد رفضت من كان أشغف بها منكم . قال الشريف - رضي اللّه عنه - : أقول : وهذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له إلى معاوية ، وهي من كلام أمير المؤمنين عليه السلام الذي لا يشك فيه ، وأين الذهب من الرّغام وأين العذب من الأجاج وقد دلّ على ذلك الدليل الخرّيت ونقده الناقد البصير عمرو بن بحر الجاحظ فإنه ذكر هذه الخطبة في كتاب « البيان والتبيين » وذكر من نسبها إلى معاوية ، ثم تكلّم من بعدها بكلام في معناها ، جملته أنه قال : وهذا الكلام بكلام علي عليه السلام أشبه ، وبمذهبه في تصنيف الناس ، وفي الإخبار عما هم عليه من القهر والإذلال ، ومن التقية والخوف ، أليق . قال : ومتى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزهاد ، ومذاهب العبّاد .