السيد عباس علي الموسوي

248

شرح نهج البلاغة

أمرين إما أن يباشر القتل أو يأمر به والإمام لم يباشر القتل ولم يدعّه عليه أحد حتى أعداؤه ومناؤوه وأما الأمر فإنه ينفيه ويشهد بذلك موقفه وسفارته بين الثوار وبين عثمان وهذا الكلام منه يشهد أيضا بذلك . . ( أو نهيت عنه لكنت ناصرا ) ولو نهى عن قتله لكان ناصرا له ولكنه لم ينه عن قتله لما فعله من أحداث ولوجود الثوار وقيام الثورة في وجهه وضياع كلامه هدرا في تلك الأجواء الصعبة التي لا يستمع فيها صوت على عادة العامة عندما يرغبون في أمر أو يكرهون أمرا . . ( غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول : خذله من أنا خير منه ) وهذا من الإمام ذم لأنصار عثمان الذين هم السبب في قتله حيث تجاوزوا المعقول وأخذوا المحصول وأوردوه موارد الهلكة بأعمالهم الشائنة وتصرفاتهم السيئة كمروان وغيرهم من حثالة الأمويين فإنهم هم الذين نصروه فلم يكونوا أفضل ممن لم ينصره ولا يستطيعون ادعاء ذلك فإن الصحابة كانوا في المدينة وهم أفضل من مروان وجماعته . . ( ومن خذله لا يستطيع أن يقول نصره من هو خير مني ) والصحابة هم الذين خذلوا عثمان وتركوا نصرته والدفاع عنه وهم يعرفون قيمتهم وفضيلتهم وأنهم أشرف وأفضل ممن نصر عثمان وانتصر له لأنه لم ينصره إلا مروان وجماعة بني أمية المنتفعين بخلافته والمستفيدين من مقامه . . ( وأنا جامع لكم أمره استأثر فأساء الأثرة وجزعتم فأسأتم الجزع وللهّ حكم واقع في المستأثر والجازع ) وأنا ملخّص لكم وبعبارة موجزة قضيته وقصته أما هو فإنه استبد بالأمور وأخذ لنفسه ولعشيرته ما هو للمسلمين وجنى سيوفهم فأساء بهذا التقديم لنفسه وأهله على عامة المسلمين إساءة بالغة وأما المسلمون فقد جزعوا وضاقت صدورهم ولم يتحملوا ويصبروا فأساءوا بقتله ، فهو أساء بالاستئثار لأنه تجاوز حده وهم أساءوا بالجزع لأنهم تجاوزوا حده . . هذا هو رأي الإمام وما يجري عليه في الدنيا وأما عند اللّه فإن لكل منهما حكم خاص به للقاتل والمقتول هو يعلمه وسوف يلحق مستحقه لا محالة . .