السيد عباس علي الموسوي

18

شرح نهج البلاغة

قال تعالى وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ( 1 ) فأفردها بينما قال في الرحمة يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ( 2 ) فجمعها . . . ( ووتد بالصخور ميدان أرضه ) جعل الجبال الضخمة أوتادا للأرض كي تثبت مكانها فلا تضطرب أو تهتز هزات تمتنع الحياة معها وهذا من قوله تعالى وَالْجِبالَ أَوْتاداً ( 3 ) . ( أول الدين معرفته ) أول واجب لمن يريد السير في طريق اللّه والالتزام بأمره أن يعرف اللّه لأن الطاعة تقتضي معرفة المطاع وامتثال الأمر يقتضي معرفة الامر وإلّا كيف يطاع الأمر مع مجهولية الآمر وفي الحديث أن حبرا سأل أمير المؤمنين بقوله : هل رأيت ربك حين عبدته أجاب بقوله : ويلك ما كنت أعبد ربا لم أره قال : وكيف قال : ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان . ثم لما كانت هذه المعرفة تختلف بحسب مراتبها أشار إلى أعظمها . ( وكمال معرفته التصديق به ) المعرفة الكاملة هي تلك التي يتيقن الانسان من خلالها بوجود اللّه يقينا لا يتزلزل أو يضطرب أو يعرض له شك وهذه أيضا لها مراتب أعلى منها أشار عليه السلام إليها بقوله : ( وكمال التصديق به توحيده ) إذ ربما آمن الانسان بوجود إله واجب الوجود ولكن أشرك معه غيره كالنصارى واليهود فتكون معرفته غير كاملة فعند ما ينفي عنه الشريك ويوحدّه في الذات ويفرده في الصفات يكون إيمانه أكمل وأعظم . . وهناك مرتبة من المعرفة أعظم من هذه أيضا أشار إليها بقوله : ( وكمال توحيده الإخلاص له ) والإخلاص له يعني جعله خالصا من كل عيب ونقص ويتحقق ذلك بنفي الجسمية والعرضية ولوازمهما وهذا الإخلاص له مرتبة عظمى أشار إليها بقوله : ( وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ) فلا يصفه سبحانه بصفات مغايرة لذاته أو ناقصة في ذاتها كأن يصفه بالظلم والعجز وغيرها من الصفات التي تنزه عنها .

--> ( 1 ) سورة الحاقة ، آية - 6 . ( 2 ) سورة الروم ، آية - 46 . ( 3 ) سورة النبأ ، آية - 7 .