السيد صادق الموسوي
223
تمام نهج البلاغة
عِبَادَ اللّهِ ، اتَّقُوا اللّهَ تَقِيَّةَ مَنْ كَنَعَ فَخَنَعَ ، وَوَجِلَ فَرَحَلَ ، وَحَذِرَ فَأَبْصَرَ فَازْدَجَرَ ، فَاحْتَثَّ طَلَباً ، وَنَجَا هَرَباً ، وَقَدَّمَ لِلْمَعَادِ ، وَاسْتَظْهَرَ مِنَ الزّادِ ( 1 ) . وَاعْلَمُوا أنَهَُّ لَيْسَ لِهذَا الْجِلْدِ الرَّقيقِ صَبْرٌ عَلَى النّارِ ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ ، فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا في مَصَائِبِ الدُّنْيَا ، فَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تصُيبهُُ ، وَالْعَثْرَةِ تدُمْيهِ ، وَالرَّمْضَاءِ تحُرْقِهُُ ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ ، ضَجيعَ حَجَرٍ ، وَقَرينَ شَيْطَانٍ . أَعَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لغِضَبَهِِ ، وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زجَرْتَهِِ . أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبيرُ ، الَّذي قَدْ لهَزَهَُ الْقَتيرُ ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النّارِ بِعِظَامِ الأَعْنَاقِ ، وَنَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ . فاَللهَّ اللّهَ ، مَعَاشِرَ الْعِبَادِ ، اغْتَنِمُوا ( 2 ) وَأَنْتُمْ سَالِمُونَ ، أَيّامَ ( 3 ) الصَّحَّةِ قَبْلَ السَّقَمِ ، وَأَيّامَ الشَّبيبَةِ قَبْلَ الْهَرَمِ ( 4 ) ، وَفِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضّيقِ ، وَبَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ النَّدَمِ . وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ الْمُهْلَةُ عَلى طُولِ الْغَفْلَةِ ، فَإِنَّ الأَجَلَ يَهْدِمُ الأَمَلَ ، وَالأَيّامُ مُوكَلَةٌ بِتَنْقيصِ الْمُدَّةِ ، وَتَفْريقِ الأَحِبَّةِ . فَبَادِرُوا ، رَحِمَكُمُ اللّهِ ، بِالتَوْبَةِ قَبْلَ حُضُورِ النَّوْبَةِ ، وَبُرُوزِ اللُّعْبَةِ ، الَّتي لَا يُنْتَظَرُ معَهَُ الأَوْبَةُ ، وَاسْتَعينُوا عَلى بُعْدِ الْمَسَافَةِ بِطُولِ الْمَخَافَةِ . فَكَمْ مِنْ غَافِلٍ وَثِقَ لغِفَلْتَهِِ ، وَتَعَلَّلَ بمِهُلْتَهِِ ، فَأَمَّلَ بَعيداً ، وَبَنى مَشيداً ، فَنَقَصَ بِقُرْبِ أجَلَهِِ بُعْدُ أمَلَهِِ ، وَفاَجأَتَهُْ منَيِتَّهُُ بِانْقِطَاعِ أمُنْيِتَّهِِ ، فَصَارَ بَعْدَ الْعِزَّةِ وَالْمَنْعَةِ ، وَالشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ ، مُرْتَهَناً بِمُوبِقَاتِ عمَلَهِِ . قَدْ غَابَ فَمَا رَجَعَ ، وَنَدِمِ فَمَا انْتَفَعَ ، وَشَقِيَ بِمَا جَمَعَ في يوَمْهِِ ، وَسَعِدَ بِهِ غيَرْهُُ في غدَهِِ ، وَبَقِيَ مُرْتَهَناً بِكَسْبِ يدَهِِ ، ذَاهِلًا عَنْ أهَلْهِِ وَولَدَهِِ .
--> ( 1 ) ورد في تذكرة الخواص ص 124 . وكفاية الطالب ص 393 . والمستدرك لكاشف الغطاء ص 26 . ومصباح البلاغة ج 1 ص 73 عن حلية الأولياء . ونهج السعادة ج 3 ص 304 . ونهج البلاغة الثاني ص 53 . باختلاف بين المصادر . ( 2 ) ورد في دستور معالم الحكم للقضاعي ص 63 و 92 . ومنهاج البراعة للخوئي ج 14 ص 332 . ( 3 ) - في . ورد في نسخ النهج . و « الأيام » ورد في المصدرين السابقين . ( 4 ) ورد في المصدرين السابقين .