السيد صادق الموسوي
134
تمام نهج البلاغة
بِذَلِكَ ملَاَئكِتَهَُ الْمُقَرَّبينَ ، لِيَميزَ الْمُتَوَاضِعينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُتَكَبِّرينَ ( 1 ) ، فَقَالَ - سبُحْاَنهَُ - وَهُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ وَمَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ . فَإِذا سوَيَّتْهُُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ . فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . إِلّا إِبْلِيسَ ( 2 ) ، اعتْرَضَتَهُْ الْحَمِيَّةُ ، فَافْتَخَرَ عَلى آدَمَ بخِلَقْهِِ ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لأصَلْهِِ . فَعَدُوُّ اللّهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبينَ ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرينَ ، الَّذي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ ، وَنَازَعَ اللّهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ ، وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ . أَلَا تَرَوْنَ كَيْفَ صغَرَّهَُ اللّهُ بتِكَبَرُّهِِ ، وَوضَعَهَُ بتِرَفَعُّهِِ ، فجَعَلَهَُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً ، وَأَعَدَّ لَهُ فِي الآخِرَةِ سَعيراً . وَلَوْ أَرَادَ اللّهُ - سبُحْاَنهَُ - أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الأَبْصَارَ ضيِاَؤهُُ ، وَيَبْهَرُ الْعُقُولَ روُاَؤهُُ ، وَطيبٍ يَأْخُذُ الأَنْفَاسَ عرَفْهُُ ، لَفَعَلَ ، وَلَوْ فَعَلَ لَظَلَّتِ الأَعْنَاقُ لَهُ ( 3 ) خَاضِعَةً ، وَلَخَفَّتِ الْبَلْوى فيهِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ . وَلكِنَّ اللّهَ - سبُحْاَنهَُ - يَبْتَلي خلَقْهَُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أصَلْهَُ ، تَمْييزاً بِالِاخْتِبَارِ لَهُمْ ، وَنَفْياً لِلِاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ ، وَإِبْعَاداً لِلْخُيَلَاءِ مِنْهُمْ . فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللّهِ بِإِبْليسَ ، إِذْ أَحْبَطَ عمَلَهَُ الطَّويلَ ، وَجهُدْهَُ الْجَهيدَ الْجَميلَ ( 4 ) ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللّهَ - سبُحْاَنهَُ وَتَعَالى ( 5 ) - سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ ، لَا يُدْرى أَمِنْ سِنِيِّ الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِيِّ الآخِرَةِ ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ . فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْليسَ يَسْلَمُ عَلَى اللّهِ بِمِثْلِ معَصْيِتَهِِ . كَلّا ، مَا كَانَ اللّهُ - سبُحْاَنهَُ - لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً . إِنَّ حكُمْهَُ في أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الأَرْضِ لَوَاحِدٌ ، وَمَا بَيْنَ اللّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خلَقْهِِ هَوَادَةٌ في إِبَاحَةِ حِمىً حرَمَّهَُ عَلَى الْعَالَمينَ .
--> ( 1 ) - المستكبرين . ورد في نسخة ابن أبي المحاسن ص 252 . ونسخة الأسترآبادي ص 289 . ( 2 ) الشورى ، 25 . ( 3 ) - له الأعناق . ورد في نسخة ابن المؤدب ص 181 . ونسخة نصيري ص 117 . ونسخة الأسترآبادي ص 290 . ونسخة عبده ص 420 ونسخة الصالح ص 286 . ونسخة العطاردي ص 288 . ( 4 ) ورد في ( 5 ) - تعالى وتقدّس . ورد في نسخة الأسترآبادي ص 290 .