السيد صادق الموسوي
128
تمام نهج البلاغة
وَالنَّهَارِ ، وَتَفَجُّرِ هذهِِ الْبِحَارِ ( 1 ) ، وَكَثْرَةِ هذهِِ الْجِبَالِ ، وَطُولِ هذهِِ الْقِلَالِ ، وَتَفَرُّقِ هذهِِ اللُّغَاتِ ، وَالأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ . فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ ، وَجَحَدَ الْمُدَبِّرَ ( 2 ) . زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ ، وَلَا لاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ . وَلَمْ يَلْجَؤُوا إِلى حُجَّةٍ فيمَا ادَّعَوْا ، وَلَا تَحْقيقٍ لِمَا أَوْعَوْا ( 3 ) . وَهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ ، أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ . وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ ، إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ ، وَأَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ ، وَجَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ ، وَفَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيَّ ، وَجَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِيَّ ، وَنَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ ، وَمِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ ، يَرْهَبُهَا الزُّرّاعُ في زَرْعِهِمْ ، وَلَا يَسْتَطيعُونَ ذَبَّهَا ( 4 ) ، وَلَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ ، حَتّى تَرِدَ الْحَرْثَ في نَزَوَاتِهَا ، وَتَقْضِيَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا ، وَخَلْقُهَا كلُهُُّ لَا يَكُونُ إِلّا إِصْبِعاً مُسْتَدِقَّةً . وَمِنْ لَطَائِفِ صنَعْتَهِِ ، وَعَجَائِبِ خلِقْتَهِِ ، مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ في هذهِِ الْخَفَافيشِ الَّتي يَقْبِضُهَا الضِّيَاءُ الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَيَبْسُطُهَا الظَّلَامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ ، وَكَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضيئَةِ نُوراً تَهْتَدي بِهِ في مَذَاهِبِهَا ، وَتَتَّصِلَ بِعَلَانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلى مَعَارِفِهَا ، وَرَدَعَهَا بِتَلأْلُؤِ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيَّ في سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا ، وَأَكَنَّهَا في مَكَامِنِهَا عَنِ الذِّهَابِ في بُلَجِ ائْتِلَاقِهَا ، فَهِيَ مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلى أَحْدَاقِهَا ( 5 ) ، وَجَاعِلةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا ، فَلَا يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظلُمْتَهِِ ، وَلَا تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِيِّ فيهِ لِغَسَقِ دجُنُتَّهِِ . فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا ، وَبَدَتْ أَوْضَاحُ نَهَارِهَا ، وَدَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الضِّبَابِ ( 6 ) في وِجَارِهَا ، أَطْبَقَتِ الأَجْفَانَ عَلى مَآقيهَا ، وَتَبَلَّغَتْ بِمَا اكتْسَبَتَهُْ مِنَ
--> ( 1 ) - الأنهار . ورد في الإحتجاج للطبرسي ص 205 . والبحار للمجلسي ج 3 ص 26 . ( 2 ) - لمن جحد المقدّر ، وأنكر المدبّر . ورد في نسخة الجيلاني . ونسخة العطاردي ص 275 عن نسخة موجودة في مكتبة جامعة عليكره - الهند . ونسخة عبده ص 400 . ومتن بهج الصباغة ج 12 ص 359 . ( 3 ) وعوا . ورد في نسخة العام 400 ص 238 . ونسخة نصيري ص 110 . ونسخة ابن أبي المحاسن ص 237 . ونسخة العطاردي ص 275 . وورد دعوا في نسخة ابن أبي الحديد ج 13 ص 56 . ( 4 ) - ردّها . ورد في ( 5 ) - حداقها . ورد في نسخة العام 400 ص 183 . ونسخة ابن المؤدب ص 130 . ونسخة نصيري ص 84 . ونسخة الآملي ص 126 . ونسخة ابن أبي المحاسن ص 182 . ونسخة الأسترآبادي ص 207 . ونسخة الصالح ص 217 . ( 6 ) - الضّباع . ورد في نسخة العطاردي ص 178 عن هامش نسخة موجودة في مكتبة مدرسة نواب في مدينة مشهد .