السيد صادق الموسوي
11
تمام نهج البلاغة
ف « نهج البلاغة » الذي هو اسم لمختار كلام الإمام علي عليه السلام اقتطفه الشريف الرضي رضوان الله عليه قد اختفى أكثر مصادره بفعل الغروات الخارجية والحروب الداخلية في البلاد الإسلامية التي صبّت جام غضبها على المكتبات العلمية ، وأحرقت وأتلفت المصادر النادرة للثقافة الإسلامية المخزونة في ألوف المكتبات في كبريات المدن في الأقطار الإسلامية . هذا إضافة إلى الإهمال الشديد الذي واجهه كثير من كتبنا القيّمة ومصادرنا المخطوطة في المكتبات الخاصة المنتشرة في أنحاء البلاد الإسلامية ، وذلك بعد موت أصحابها الذين ذاقوا ألوان العذاب في سبيل الحصول على نوادر الكتب وقيّمات المصادر . فكيف يمكن لطامع من أبناء عصرنا أن يقف على جميع ما وقف عليه الشريف الرضي وأمثاله من معاصريه قبل أكثر من ألف عام من كتب السّير والمغازي والتاريخ والأدب وغيرها مما يمكن أن تكون مصدرا للنهج ، وقد أحرقت ألوف منها علي أيدي الحاقدين ، وأتلفت ألوف أخرى على أيدي الحاسدين ، والباقي أخفي في خزائن محكمة الأبواب كي لا يصل إليها أيدي الطالبين . ويتجلى ذلك لمن راجع كتب فهارس المصنفات والمصنفين . حيث يجد فيها عشرات ألوف الأسماء لكتب في شتى الفنون ، لكنه لا يجد أثرا إلا للقليل منها في زماننا . وبسبب عدم وجود الإمكانيات المتاحة اليوم ، ورواج طرق الاستنساخ القديمة فقد وصل إلينا نسخ مختلفة عن « نهج البلاغة » نفسه . مما أضاف إلى مهمة الباحث والمحقق مهمة شاقة أخرى هي التفتيش عن نسخ النهج والتدقيق فيها . فهناك نسخ في مكتبات خاصة في مدن متفرقة في الهند ، ونسخ أخرى في مكتبات خاصة في مدن إيرانية مختلفة ، ونسخ كذلك في مكتبات دمشق وغيرها . وبين كل نسخة وأختها بعض الاختلاف في ترتيب الكلام وفي اللفظ أيضا . ولقد بادر سيدنا المحقق إلى جمع ما أمكن من النسخ المخطوطة ، وحقق أولا في صحة النسخة وتحديد تاريخ كتابتها ، ثم قام بضبط العبارة واكتشاف خطأ النسّاخ . ثم قابل بين النسخ المخطوطة ، وبينها وبين النسخ المطبوعة ، فذكر اختلاف النسخ في هامش الكتاب ، ليتمكن القارئ من الاطلاع على جميع نسخ « نهج البلاغة » المخطوطة والمطبوعة في وقت واحد ولقد قام مؤلف « تمام نهج البلاغة » كذلك بالتدقيق في كافة المصادر التاريخية المتاحة ، وترتيب الروايات والتوفيق بين موارد الاختلاف فيها ، ومعالجة تقديم بعض الفقرات وتأخيرها ، وزيادة بعض الروايات عن غيرها ، مع ما في الأمر من صعوبة كبرى ، مما سهّل على القارئ الوصول إلى ترابط الخطب والكلمات والكتب وغيرها . فألحق بعمله هذا الكثير من كلام أمير الكلام الذي ينطوي على حقائق الجواهر ، وروائع الأفكار . مما لم يورده السيد الرضي رضوان الله عليه أو لم يعثر عليه ، والذي يجب أن يطلع عليها الباحثون عن درر الكلام ، والمفتشون عن النور في عصر الظلام . كل هذا من دون أن يتشابك هذا العمل التحقيقي الكبير مع ما قام به المستدركون لخطب وكلام وكتب مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام ، من المتقدمين كابن أبي الحديد وابن ميثم . ومن المتأخرين ككاشف الغطاء والمحمودي والخطيب ، رغم أنه قد تمت الاستفادة كثيرا من بحوثهم التاريخية الثمينة وجهودهم العلمية العظيمة .