الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
528
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
بلدا توهّم من معي أنّي قصدته وليس يعرف خبري أحد من أهل البلدان أمرّ بها في نزولي ونفوذي . حتى وافيت الفسطاط فنزلت جنابا وخرجت منه وحدي في زيّ متظلم أو تاجر ، فدخلت دار الامارة وديوان البلد وبيت المال ، وسألت وبحثت عن الأخبار وجلست مع المتظلمين وغيرهم ، فمكثت ثلاثة أيام أفعل ذلك حتى عرفت جميع ما احتجت إليه ، فلمّا نام الناس دعوت أصحابي فقلت للّذي أردت استكتابه على الديوان : قد رأيت مصر وقد استكتبتك على الديوان فبكّر إليه فاجلس فيه ، فإذا سمعت الحركة فاقبض على الكاتب ووكلّ به وبالكتاب والأعمال ، ولا يخرج من الديوان أحد حتى أوافيك ، ودعوت بآخر فقلدّته بيت المال وأمرته بمثل ذلك ، وقلّدت الآخر عملا من الأعمال بالحضرة ، وأمرتهم أن يبكّروا ولا يظهروا أنفسهم حتى يسمعوا الحركة ، وبكّرت فلبست ثيابي ووضعت الشاشية على رأسي ومضيت إلى دار الامارة ، فأذن موسى للناس إذنا عامّا ، فدخلت فيمن دخل ، فإذا موسى على فرش والقوّاد وقوف عن يمينه وشماله والناس يدخلون فيسلّمون ويخرجون وأنا جالس بحيث يراني وحاجبه ساعة بساعة يقيمني ويقول لي تكلّم بحاجتك ، فأعتلّ عليه حتى خفّ الناس ، فدنوت منه وأخرجت إليه كتاب الرشيد فقبلّه ووضعه على عينه ثم قرأه فامتقع لونه وقال : السمع والطاعة تقرئ أبا حفص السلام وتقول له : ينبغي لك أن تقيم بموضعك حتى نعدّ لك منزلا يشبهك ويخرج غدا أصحابنا يستقبلونك فتدخل مدخل مثلك . فقال له : أنا عمر بن مهران قد أمرني الرشيد بإقامتك للناس وانصاف المظلوم منك وأنا فاعل ذلك . فقال : أنت عمر بن مهران قلت : نعم . قال : لعن اللّه فرعون حيث يقول أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ( 1 ) واضطرب الصوت في الدار ،
--> ( 1 ) الزخرف : 51 .