الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

448

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

هذا قالوا : ثمن الجارية لم تحضر دنانير أرسل قيمتها دراهم ، فاستكثر ذلك ودعا خادما له فقال : اضمم هذه إليك واجعل لي بيت مال لأضمّ إليه ما أريده وسماّه بيت مال العروس وأمر بردّ الجارية إلى عون ، وأخذ في التفتيش عن المال فوجد البرامكة قد استملكوه ، فأقبل يهمّ بهم ويمسك ، فكان يرسل إلى قوم فيسامرهم ويتعشّى معهم فكان فيهم إنسان يعرف بأبي العود ، فحضر ليلة فيهم فأعجبه حديثه فأمر خادما له أن يأتي يحيى إذا أصبح يأمره أن يعطيه ثلاثين ألف درهم ففعل فقال يحيى لأبي العود : أفعل وليس بحضرتنا اليوم مال ، يجيء المال ونعطيك ، ثم دافعه حتى طال به الأيام فأقبل أبو العود يحتال أن يجد من الرشيد وقتا يحرضّه على البرامكة - وقد كان شاع في الناس ما كان يهمّ به الرشيد في أمرهم - فدخل عليه ليلة فتحدّثوا فلم يزل أبو العود يحتال للحديث حتى وصله بقول عمر بن أبي ربيعة : وعدت هند - وما كانت تعد - * ليت هندا أنجزتنا ما تعد واستبدّت مرّة واحدة * إنّما العاجز من لا يستبد ( 1 ) فقال الرشيد : أجل واللّه إنّما العاجز من لا يستبد حتى انقضى المجلس - وكان يحيى قد اتخذ من خدم الرشيد خادما يأتيه بأخباره - وأصبح يحيى غاديا ، فلما رآه قال : أردت البارحة أن أرسل إليك بشعر أنشدنيه بعض من كان عندي ثم كرهت أن أزعجك ، فأنشده البيتين وفطن لمّا أراد ، فلما انصرف أرسل إلى ذلك الخادم فسأله عمّن أنشد ذلك الشعر فقال أنشده أبو العود ، فدعا يحيى بأبي العود فقال له : إنّا كنّا قد لويناك بمالك وقد جاءنا مال ، ثم قال

--> ( 1 ) في ديوان عمر بن أبي ربيعة بلفظ آخر : ليت هندا أنجزتنا ما تعد * وشفت أنفسنا ممّا تجد ديوان عمر بن أبي ربيعة : 320 .