الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

400

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

مثل ما أهدى إلى واحدة من جاراته ، وصبّحها القوم فأنشدها كلّ منهم أبياتا ، فلمّا فرغوا من إنشادهم دعت بالمائدة وقدمت إلى كلّ رجل ما كان أطعمها ، فنكس النّبيتي والنابغة رأسيهما ، فلمّا رأى حاتم ذلك رمى بالذي قدم إليه إليهما وأطعمهما منه ، فتسلّلا لواذا ( 1 ) فتزوجت حاتما وكانت من بنات ملوك اليمن . ( وفيه ) : قالت امرأة حاتم النّوار : أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض واغبرّت الآفاق ، فضنت المراضيع عن أولادها فما تبض بقطرة ، وراحت الإبل حدبا حدابيس ( 2 ) وحلقت السنة المال وأيقنّا أنهّ الهلاك ، فو اللّه إنّا لفي صنبر ( 3 ) بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغى أصبيتنا من الجوع عبد اللّه وعدي وسفانة ، فقام حاتم إلى الصبيين وقمت إلى الصبية فو اللّه ما سكتوا إلّا بعد هدأة من الليل وأقبل يعلّلني بالحديث فعلمت الذي يريد فتناومت ، فلمّا تغوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال من هذا ، فذهب ثم عاد فقال من هذا ، فذهب ثم عاد في آخر الليل فقال من هذا قال جارتك فلانة أتتك من عند أصبية يتعاوون عواء الذئب من الجوع وما أجد معوّلا إلّا عليك ، فقال لها أعجليهم فقد أشبعك اللّه وإياهم ، فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي جنباتها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها ، فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية ثم كشطه ودفع المدية إلى المرأة فقال شأنك الآن ، فاجتمعوا على اللحم فقال سوءة : أتأكلون دون الصريم ، ثم أقبل يأتيهم بيتا بيتا ويقول : هبّوا أيها القوم عليكم بالنار ، فاجتمعوا والتفع ناحية بثوبه ينظر إلينا ، ولا واللّه ما ذاق منه مضغة وإنه

--> ( 1 ) لواذا : متتاليين . ( 2 ) هزيلة . ( 3 ) الصنبر : ليلة شديدة البرد .