الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
157
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
سعادته تضرب بها الأمثال وكثرة أمواله التي لم يجمع لقارون مثلها ، فكان الناس يعجبون من ذلك ، حتى أن جماعة من شيوخ بغداد كانوا يقولون إن ابن الجصاص أعقل الناس وأحزمهم ، وانهّ هو الذي ألحم الحال بين المعتضد وبين خمارويه بن أحمد بن طولون وسفر بينهما سفارة عجيبة وبلغ من الجهتين أحسن مبلغ ، خطب قطر الندى بنت خمارويه للمعتضد وجهّزها من مصر على أجمل وجه وأعلى ترتيب ، ولكنهّ كان يقصد أن يتغافل ويتجاهل ويظهر البله والنقص يستبقي بذلك ماله ويحرس به نعمته ويدفع عنه عين الكمال وحسد الأعيان ، فقلت لأبي غسان البصري : أظنّ ما قاله هؤلاء صحيحا ، فان المعتضد مع حزمه وعقله وكماله وإصابة رأيه ما اختاره للسفارة والصلح إلّا والمرجو منه فيما يأتيه ويستقبله من أيامه نظير ما قد شوهد منه فيما مضى من زمانه ، وهل كان يجوز أن يصلح أمرا قد تفاقم فساده برسالة أحمق وسفارة أخرق . فقال أبو غسان : إنّ الجد ينسلخ حال الأخرق ويستر عيب الأحمق ويذبّ عن عرض الملطخ ويقرب الصواب : بمنطقه والصحة برأيه والنجاح بسعيه ، والجد يستخدم العقلاء لصاحبه ويستعمل آراءهم وأفكارهم في مطالبه ، وإن ابن الجصاص على ما قيل وحكى ولكن جده كفاه غائلة الحمق ، ولو عرفت خبط العاقل إذا فارقه الجد لعلمت أنّ الجد قد يصيب بجهله ما لا يصيب العالم بعلمه مع حرمانه . فقلت له : فما الجد فقال : ليس لي عنه عبارة معينة ولكن لي به علم شاف واستفدته بالتجربة والسماع العريض من الصغير والكبير ، وسمعت امرأة من الأعراب ترقّص ابنا لها وتقول : رزقك اللّه جدا يخدمك عليه ذوو العقول ، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوي الجدود ( 1 ) .
--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 18 : 181 - 182 .