الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
59
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
قال هشام بن الحكم : اجتمع ابن أبي العوجاء وأبو شاكر الديصاني وعبد الملك البصري ، وابن المقفع عند بيت اللّه الحرام يستهزءون بالحاج ، ويطعنون على القرآن - فقال ابن أبي العوجاء لهم : تعالوا ينقض كلّ واحد منّا ربع القرآن ، وميعادنا من قابل في هذا الموضع نجتمع فيه ، وقد نقضنا القرآن كلهّ ، وان في نقض القرآن إبطال نبوّة محمّد ، وفي إبطال نبوتّه إبطال الاسلام واثبات ما نحن فيه ، فاتفقوا على ذلك وافترقوا على ذلك ، فلمّا كان من قابل اجتمعوا ثمة ، فقال لهم ابن أبي العوجاء : أما أنا فمتفكر منذ افترقنا في هذه الآية : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا . . . ( 1 ) فما أقدر أن أضم إليها في فصاحتها ، وجمع معانيها ، فشغلتني هذه الآية عن التفكّر في ما سواها - فقال عبد الملك : أنا متفكّر في هذه الآية يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يسَتْنَقْذِوُهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ( 2 ) فلم أقدر على الاتيان بمثلها . فقال أبو شاكر وأنا منذ فارقتكم متفكّر في هذه الآية : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللّهُ لَفَسَدَتا . . . ( 3 ) فلم أقدر على الاتيان بمثلها فقال ابن المقفع : يا قوم ان هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر وأنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي . . . ( 4 ) فلم أبلغ غاية معرفتها ولم أقدر على الاتيان بمثلها - فبيناهم في ذلك إذ مر بهم جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام فقال : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا
--> ( 1 ) يوسف : 80 . ( 2 ) الحج : 73 . ( 3 ) الأنبياء : 22 . ( 4 ) هود : 44 .