الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
484
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
أصحابك . ففعل . فقال عمّار لمحمّد : ما أحسن ما حملت الراية اليوم . فقال له علي عليه السلام : بعد ما ذا . فقال عمّار : ما العلم إلّا بالتعلّم ( 1 ) . وعن المدائني والواقدي : زحف علي عليه السلام بنفسه نحو الجمل ودفع الراية إلى ابنه محمد وقال : أقدم بها حتى تركزها في عين الجمل ولا تقفن دونه ، فتقدّم فرشقته السهام ، فأنفذ إليه علي عليه السلام يستحثه ، فلما أبطأ عليه جاء بنفسه من خلفه فوضع يده اليسرى على منكبه الأيمن وقال له : اقدم لا أمّ لك . فكان محمّد إذا ذكر ذلك يبكي ويقول : لكأني أجد ريح نفسه في قفاي ، واللّه لا أنسى ذلك أبدا . فتناول الراية منه بيده اليسرى وذو الفقار مشهور في يده اليمنى ، ثم حمل فغاص في عسكر الجمل ثم رجع وقد انحنى سيفه فأقامه بركبته . فقال له بنوه وأصحابه والأشتر وعمّار : نحن نكفيك ، فلم يجب أحدا منهم ولا ردّ إليهم بصره وظلّ ينحط ويزأر زئير الأسد حتى فرقّه من حوله وتبادروه وانهّ لطامح بصره نحو عسكر البصرة لا يبصر من حوله ولا يردّ حوارا ثم دفع الراية إلى محمّد ، ثم حمل حملة ثانية وحده فدخل وسطهم فضربهم بالسيف قدما قدما والرجال تفرّ من بين يديه وتنحاز عنه يمنة وشامة ، حتى خضّب الأرض بدماء القتلى ، ثم رجع وقد انحنى سيفه فأقامه بركبته فأعصوصب به أصحابه وناشدوه اللّه في نفسه وفي الإسلام وقالوا : انّك ان تصب يذهب الدين . فقال : واللّه ما أريد بما ترون إلّا وجه اللّه والدّار الآخرة . ثم قال لمحمّد : هكذا اصنع يا بن الحنفية . فقال الناس : من الذي يستطيع يا أمير المؤمنين ما تستطيعه . وروى الواقدي - كما في ( جمل المفيد ) - عن ابن الحنفية قال : فالتقينا وأبي خلفي بين كتفي يقول : يا بني تقدّم . فقلت : ما أجد متقدّما إلّا على الأسنة ،
--> ( 1 ) الجمل للمفيد : 192 .