الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

88

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

فغائبه عنه أعجز ألا وانّكم قد أمرتم بالظّعن ودللتم على الزّاد . . . ( 1 ) . وقال السابع : كان عليه السّلام يقول : الدّنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزوّد منها ، الدّنيا مسجد أحبّاء اللّه ، ومصلّى ملائكته ، ومهبط وحيه ، ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنّة ، فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها ومثّلت لهم ببلائها البلاء ، وشوّقت بسرورها إلى السرور راحت بفجيعة وابتكرت بعافية ترغيبا وتخويفا فذمّها رجال غبّ الندامة وحمدها آخرون غبّ المكافاة ذكّرتهم فذكروا تصاريفها وصدقتهم فصدّقوا حديثها فيا أيها الذامّ للدّنيا المغتر بغرورها . . . ( 2 ) . وممّا ذكرنا من مدارك الخطبة ظهر لك ما في قول ابن ميثم بعد العنوان « هذا من الخطبة الّتي في أوّلها : ( الحمد للهّ غير مقنوط من رحمته ) وستجيء بعد ، وإنّما قدمّه الرّضيّ عليها لما سبق من اعتذاره في خطبة الكتاب ، من أنهّ لا يراعى التّتالي والنسق في كلامه عليه السّلام . . . ( 3 ) فمن أين ، إنّ الرّضي لم يأخذه إلّا ممّا قال وهو رواية الصّدوق ، ومن أين إنهّ لم يأخذه من ( بيان الجاحظ ) أو ( مروج المسعودي ) بل الأخذ منهما مقطوع لأقربيّة عنوانه إليهما ، كما انّ عدم الأخذ من رواية الصّدوق مقطوع ، لخلوّ روايته عن كثير ممّا في العنوان واختلاف كثير من ألفاظه معها كما إنّ قوله ( لما سبق من اعتذاره . . . ) غلط فإنّ الرّضيّ لم يقل إنّ ما يختاره لا يراعي فيه النسق وإنّما قال انهّ ليس ملتزما بنقل جميع الخطبة من خطبة عليه السّلام أو الكتاب من كتبه أو كلام آخر من حكمه

--> ( 1 ) تحف العقول لابن شعبة : 149 . ( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 419 . ( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 41 ح 27 .