الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

41

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

تَذُمُّهَا - أَنْتَ الْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا أَمْ هِيَ الْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ - مَتَى اسْتَهْوَتْكَ أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ - أَ بِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى - أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى - كَمْ عَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ وَكَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ - تَبْغِي لَهُمُ الشِّفَاءَ وَتَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الْأَطِبَّاءَ - غَدَاةَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ وَلَا يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكَاؤُكَ - لَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ وَلَمْ تُسْعَفْ بِطَلِبَتِكَ - وَلَمْ تَدْفَعْ عنَهُْ بِقُوَّتِكَ - وَقَدْ مَثَّلَتْ لَكَ بِهِ الدُّنْيَا نَفْسَكَ وَبمِصَرْعَهِِ مَصْرَعَكَ - إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا - وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا - وَدَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا - وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهَا - مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللَّهِ وَمُصَلَّى مَلَائِكَةِ اللَّهِ - وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللَّهِ وَمَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ - اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ وَرَبِحُوا فِيهَا الْجَنَّةَ - فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا وَنَادَتْ بِفِرَاقِهَا - وَنَعَتْ نَفْسَهَا وَأَهْلَهَا فَمَثَّلَتْ لَهُمْ بِبَلَائِهَا الْبَلَاءَ - وَشَوَّقَتْهُمْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ - رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ وَابْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ - تَرْغِيباً وَتَرْهِيباً وَتَخْوِيفاً وَتَحْذِيراً - فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ - وَحَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - ذَكَّرَتْهُمُ الدُّنْيَا فَتَذَكَّرُوا وَحَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا - وَوَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا أقول : رواه الشيخ في ( أماليه ) عن جابر الأنصاري ، قال : بينا أمير المؤمنين عليه السّلام في جماعة من أصحابه أنا فيهم ، إذ ذكروا الدنيا وتصرّفها بأهلها ، فذمها رجل فذهب في ذمّها كلّ مذهب ، فقال عليه السّلام له : أيّها الذام للدّنيا أنت المتجرّم عليها أم هي المتجرّمة عليك فقال : بل أنا المتجرّم عليها ، فقال عليه السّلام : فبم تذمّها أليست منزل صدق لمن صدّقها ودار غنى لمن تزوّد منها ودار عافية لمن فهم عنها ومساجد أنبياء اللّه ، ومهبط وحيه ، ومصلّى ملائكته ، ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرّحمة ، وربحوا فيها الجنّة ، فمن ذا