الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
51
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
فقام طلحة فأشار إلى النّاس بالسكوت ليخطب فسكتوا بعد جهد ، فقال : أما بعد ، فإن عثمان كان من أهل السابقة والفضيلة ، ومن المهاجرين الأوّلين الذين رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ، ونزل القرآن ناطقا بفضلهم ، وأحد أئمّة المسلمين الوالين عليكم بعد أبي بكر وعمر صاحبي النّبيّ ، وقد كان أحدث أحداثا نقمناها عليه ، فأتيناه فاستعتبناه فأعتبنا ، فعدا عليه امرؤ ابتز هذه الامّة أمرها غصبا بغير رضى منها ولا مشورة ، فقتله وساعده على ذلك قوم غير أتقياء ولا أبراء ، فقتل محرما بريئا تائبا . وقد جئناكم أيّها النّاس نطلب بدم عثمان ، وندعوكم إلى الطلب بدمه ، فإن نحن أمكننا اللّه من قتلته قتلناهم به وجعلنا هذا الأمر شورى بين المسلمين ، وكانت خلافة رحمة للامّة جميعا ، فإن كلّ من أخذ الأمر من غير رضى من العامة ولا مشورة منها ابتز . كان ملكه ملكا عضوضا وحدثا كبيرا . ثمّ قام الزبير فتكلّم بمثل كلام طلحة ، فقام إليهما ناس من أهل البصرة ، فقالوا لهما : ألم تبايعا عليّا فيمن بايعه ، ففيم بايعتما ثم نكثتما فقالا : ما بايعناه ولا لأحد في أعناقنا بيعة ، وإنّما استكرهنا على بيعته . فقال ناس : قد صدقا وأحسنا القول وقطعا بالصواب . وقال ناس : ما صدقا ولا أصابا . حتّى ارتفعت الأصوات ، ثم أقبلت عايشة على جملها فنادت بصوت مرتفع : أيّها النّاس أقلّوا الكلام واسكتوا . فأسكت النّاس لها ، فقالت : إن أمير المؤمنين عثمان غيّر وبدّل ، ثم لم يزل يغسل ذلك بالتوبة حتى قتل مظلوما تائبا ، وإنّما نقموا عليه ضربه بالسوط وتأميره الشبّان وحمايته موضع الغمامة فقتلوه محرما ، في حرمة الشهر وحرمة البلد ذبحا كما يذبح الجمل . ألا وإن قريشا رمت غرضها بنبالها وأدمت أفواهها بأيديهما ، وما نالت بقتلها إياّه شيئا ، ولا سلك به سبيلا قاصدا .