الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

532

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

ما جاء بك وليس معك إلّا من أرى ومعي من ترى لقد غررت بنفسك وأصحابك فإن أحببت أذنت لك فرجعت ، وإن أحببت ناجزتك السّاعة ، وإن أحببت أجّلتك حتى تنظر أمرك . فرأى وهرز أنهّ لا طاقة له بهم فقال : بل تضرب بيني وبينك أجلا - إلى أن قال - فلمّا انقضى الأجل إلّا يوما أمر بالسّفن التي كانوا فيها فأحرقت بالنار ، وأمر بما كان معهم من فضل كسوة فاحرق ، ولم يدع منه إلّا ما كان على أجسادهم ، ثم دعا بكل زاد معهم فقال لأصحابه . كلوا هذا الزاد . فأكلوا فلمّا انتهوا أمر بفضله فالقي في البحر ، ثم قام فيهم خطيبا فقال : أمّا أن أحرقتم سفنكم فأردت أنهّ لا سبيل لكم إلى بلادكم أبدا ، وأمّا أن أحرقت من ثيابكم فإنهّ كان يغيظني إن ظفروا بكم أن يصير ذلك إليهم ، وأمّا ما ألقيت من زادكم في البحر فإنّي كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا ، فإن كنتم تقاتلون معي وتصبرون أعلمتموني ذلك ، وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري ، فإنّي لم أكن امكّنهم من نفسي أبدا . فقالوا : بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا أو نظفر . فلمّا كان صبح اليوم الذي انقضى فيه الأجل عبّأ أصحابه وجعل البحر خلفه ، وأقبل عليهم يحضّهم على الصبر ويعلمهم أنّهم معه بين خلتين : إما ظفروا بعدوّهم وإمّا ماتوا كراما ، وأمرهم أن تكون قسيهم موترة وقال : إذا أمرتكم أن ترموا فارموهم رشقا بالبنجكان . - ولم يكن أهل اليمن رأوا النشّاب قبل ذلك - وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه على فيل ، وعلى رأسه تاج بين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة لا يرى أنّ دون الظفر شيئا ، وكان وهرز قد كلّ بصره ، فقال : أروني عظيمهم . فقالوا : هو صاحب الفيل . ثم لم يلبث مسروق أن نزل فركب فرسا ، فقالوا : قد ركب فرسا . فقال : ارفعوا لي حاجبي . وكانا قد سقطا على عينيه من الكبر ، فرفعوهما بعصابة ثم أخرج نشابه