الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
405
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ ( 1 ) . فأبى عليّ عليه السّلام أن يرجع ، وأبت الخوارج إلّا تضليل التحكيم . مع أنّ نصب الناس أميرا لهم أمر فطري للبشر لا ينكره أحد : مبتدع وغيره ، وكيف ، والخوارج أنفسهم - من أوّلهم إلى آخرهم - كانوا يجعلون امراء لأنفسهم حتى يجمع كلمتهم ففي ( الطبري ) ( 2 ) : أنّ عليّا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة ، لقيت الخوارج بعضها بعضا ، فقال عبد اللّه بن وهب الراسبي : اخرجوا بنا مِنْ هذهِِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها ( 3 ) . فقال حمزة بن سنان الأسدي : الرأي ما رأيتم ، فولوا أمركم رجلا منكم ، فإنهّ لا بدّ لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها ، فبايعوا عبد اللّه بن 4 وهب وسار إلى النهروان ، فقالوا : إن هلك ولّينا الأمر زيد بن حصين أو حرقوص بن زهير . وأمّا خوارج البصرة فاجتمعوا في خمسمائة رجل ، وجعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي ، وأقبل يعترض الناس - وعلى مقدمته الأشرس بن عوف الشيباني - حتى لحق عبد اللّه بالنهر . « وإنهّ لا بد للناس من أمير برّ أو فاجر ، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ اللّه فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبيل ويؤخذ به للضعيف من القوي » هذا كلام في نفسه صحيح ، وكيف لا ، وبه قوام الدنيا ونظام العالم ومقتضى الحكمة فلعلهّ عليه السّلام كان هذا الكلام منه عليه السّلام ، مع كلامه في الخوارج مذكورين في كتاب متواليين ، فحصل الخلط بينهما ، والأصل في الخلط المتقدم ، وتبعه من تأخّر ، ويستأنس لكونهما غير
--> ( 1 ) النحل : 91 . ( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 74 . ( 3 ) النساء : 75 .