الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

246

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

حسدته قريش ، فقالت له : إنّها بئر أبينا إسماعيل ، وإنّ لنا فيها حقا فاشركنا معك . قال : ما أنا بفاعل ، إنّ هذا الأمر خصصت به دونكم . قالوا : فإنّا غير تاركيك . قال : فاجعلوا بيني وبينكم حكما أحاكمكم إليه . قالوا : كاهنة بني سعد بن هذيم . قال : نعم . وكانت باشراف الشام ، فركب عبد المطلب في نفر من عبد مناف ، وخرج من كل قبيلة من قريش قوم ، والأرض إذ ذاك مفاوز ، حتّى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام ، نفد ما كان مع عبد المطلب وبني أبيه من الماء ، فعطشوا عطشا شديدا ، فاستسقوا قومهم فأبوا ان يسقوهم ، وقالوا : نحن بمفازة ونخشى على أنفسنا مثل الذي أصابكم ، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وخاف على نفسه وأصحابه الهلاك ، قال لأصحابه : ما ترون قالوا : ما رأينا إلّا تبع لرأيك ، فمرنا بما أحببت . قال : فإنّي أرى أن يحفر كل رجل منّا حفرة لنفسه بما معه الآن من القوّة ، فكلما مات رجل دفنه أصحابه حتى يكون رجل واحد ، فضيعة واحد أيسر من ضيعة ركب . قالوا : نعم ما أشرت . فقام كلّ رجل منهم فحفر حفيرة وقعدوا ينتظرون الموت ، ثمّ إنّ عبد المطلب قال لهم : واللّه ان لقاءنا بأيدينا كذا للموت لعجز ، قوموا فعسى اللّه ان يرزقنا ماء ببعض الأرض ، ارتحلوا . فارتحلوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون ما هم صانعون ، فتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها ، فلما انبعث به انفجر من تحت خفها عين ماء عذب ، فكبّر وكبّر أصحابه ، ثم نزل فشرب هو وأصحابه وملاؤوا أسقيتهم ، ثمّ دعا القبائل من قريش ، فقال لهم : هلموا إلى الماء ، فقد أسقانا اللّه فاشربوا . فقالوا : قد قضى اللّه لك علينا ، واللّه لا نخاصمك في زمزم ابدا . إنّ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو سقاك زمزم فارجع إليها . وروى كاتب الواقدي في ( طبقاته ) : قصة أخرى لعبد المطلب في ماء له