الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

116

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

بخروجه وصرفه عن المحراب ، فلم يجد ذلك ولا أثر مع قوّة الداعي الذي كان يدعو إلى أبي بكر ويمهّد له قاعدة الأمر ، وتقرّر حاله في نفوس النّاس ومن اتبّعه على ذلك من أعيان المهاجرين والأنصار ، ولمّا ساعد على ذلك من الحظّ الفلكيّ ، الأمر السمائيّ الذي جمع عليه القلوب والأهواء ، فكانت هذه الحال عند عليّ عليه السّلام أعظم من كلّ عظيم وهي الطامّة الكبرى والمصيبة العظمى ، ولم ينسبها إلّا إلى عائشة وحدها ، ولا علّق الأمر الواقع إلّا بها ، فدعا عليها في خلواته وبين خواصهّ ، وتظلّم إلى اللّه منها ، وجرى له في تخلفّه عن البيعة ما هو مشهور حتّى بايع ، وكان يبلغه وفاطمة عنها كلّ ما يكرهانه منذ مات النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم إلى أن توفيت فاطمة عليها السّلام ، وهما صابران على مضض ورمض ، واستظهرت بولاية أبيها واستطالت وعظم شأنها وانخذل عليّ عليه السّلام وفاطمة عليها السّلام وقهرا ، وأخذت فدك ، وخرجت فاطمة تجادل في ذلك مرارا ، فلم تظفر بشيء ، وفي كلّ ذلك تبلغها النساء الداخلات والخارجات عن عائشة كلّ كلام يسؤوها ، ويبلغن عائشة عنها وعن بعلها مثل ذلك ، إلّا أنّ شتّان ما بين الحالين ، وبعد ما بين الفريقين هذه غالبة وهذه مغلوبة ، وهذه آمرة وهذه مأمورة ، وظهر التشفّي والشماتة ، ولا شيء أعظم مرارة ومشقّة من شماتة العدوّ ( 1 ) . قال ابن أبي الحديد قلت له : أفتقول إنّ عائشة عيّنت أباها للصلاة والنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم لم يعينّه فقال : أمّا أنا فلا أقول ذلك ، ولكنّ عليّا كان يقول وتكليفي غير تكليفه ، كان حاضرا ولم أكن حاضرا ، فأنا محجوج بالأخبار التي اتّصلت بي ، وهي تتضمّن تعيين النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم لأبي بكر في الصلاة ، وهو محجوج بما كان قد علمه أو يغلب على ظنهّ من الحال التي كان حضرها ، قال :

--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 9 : 192 - 198 .