الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

93

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

لها سبيل الشهوات ، فغلبت الأهواء على قلوبهم واستحوذ الشيطان بظلمهم عليهم ، وكذلك يطبع اللّه على قلوب المعتدين . والعجب من مخلوق يزعم أنّ اللّه تعالى يخفى على عباده ، وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله وتأليف يبطل حجتّه ، ولعمري لو تفكّروا في هذه الأمور العظام لعاينوا من أمر التركيب البيّن ولطف التدبير الظاهر ، ووجود الأشياء مخلوقة بعد أن لم تكن ، ثمّ تحولها من طبيعة إلى طبيعة وصنيعة بعد صنيعة ، ما يدلّهم ذلك على الصانع ، فانهّ لا يخلو شيء منها من أن يكون فيه أثر تدبير وتركيب يدلّ على أنّ له خالقا مدبّرا ، وتأليف تدبير يهدي إلى واحد حكيم ( 1 ) . « وفلق » أي : شقّ « له السمع والبصر » وهو دليل كمال قدرته وحكمته « وسوّى له العظم والبشر » ظاهر الجلد وما سوى العظم . « انظروا إلى النملة في صغر جثتها » أي : جسدها « ولطافة هيئتها » أي : صغرها « لا تكاد » أي : لا يقرب « تنال » أي : تصاب « بلحظ البصر » أي : دقيق النظر بمؤخّر العين « ولا بمستدرك الفكر » أي : ولا تنال خصوصيات النّملة بالفكر الذي يستدرك أشياء لا تنال بلحظ البصر . « كيف دبّت » أي : جرت « على أرضها وصبّت على رزقها » هذه الكلمة في غاية الفصاحة ، كقوله تعالى : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ( 2 ) . فالأصل في الصبّ صبّ الماء ، والنمل إذا استشمت بشمّها القوي ليس شمّ فوقه ، صبت أنفسها عليه كصب الماء على محل حتى يغمره ولا يبصر المحل ، وكذلك صب النمل أنفسها على قوت بحدّ لا يرى ذاك القوت . « تنقل الحبة إلى جحرها » بتقديم الجيم : مسكن الحشرات تحت الأرض .

--> ( 1 ) نقله المجلسي في البحار 3 : 152 . ( 2 ) الفجر : 13 .