الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

58

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

والقوة بالأكفّ والأصابع المهيّأة لذلك ، أعطيت النهوض والاستقلال بأنفسها . وكذلك نرى كثيرا من الطير كمثل الدجاج والدراج والقبج تدرج ، وتلقط حين تنقاب عنها البيضة ، فأمّا ما كان منها ضعيفا لا نهوض فيه كمثل فراخ الحمام ، واليمام ، والحمّر ، فقد جعل في الامّهات فضل عطف عليها ، فصارت تمجّ الطعام في أفواهها بعد ما توعيه حواصلها ، فلا تزال تغذوها حتّى تستقلّ بأنفسها ، ولذلك لم ترزق الحمام فراخا كثيرا مثل ما ترزق الدجاج ، لتقوى الام على تربية فراخها فلا تفسد ولا تموت ، فكلا أعطى بقسط من تدبير الحكيم اللطيف الخبير ( 1 ) . بيان : اليمام طير وحشي كالحمام ، والحمّر جمع حمرة طير كالعصفور . وفي ( حيوان الدميري ) : تلد أنثى الخفّاش ما بين ثلاثة أفراخ وسبعة ، وكثيرا ما يسفد وهو طائر في الهواء ، وليس في الحيوان ما يحمل ولده غيره ، والقرد والإنسان ، ويحمله تحت جناحه ، وربّما قبض عليه بفيه ، وذلك من حنوهّ وإشفاقه عليه ، وربّما أرضعت الأنثى ولدها وهي طائرة ( 2 ) . « فسبحان اللّه البارئ » أي : الخالق والأصل الهمز « لكلّ شيء على غير مثال خلا » أي : مضى قال تعالى : إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ ( 3 ) « من غيره » . وكلّ شيء من خلقه تعالى وإن كان لا تعدّ حكمه تعالى فيه ، كما لا تعدّ نعمه تعالى على خلقه ، إلّا انهّ عليه السّلام خصّ الخفاش هنا بالذكر ، لاختصاصه بخصائص وكونه مشتركا بين الحيوان والطير .

--> ( 1 ) توحيد المفضل : 97 ، والنقل بتصرف يسير . ( 2 ) حياة الحيوان 1 : 296 . ( 3 ) فاطر : 24 .