الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
204
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
فأقبل عليه السّلام عليّ وقال : قد سألت فافهم الجواب ، ان في أيدي الناس حقّا وباطلا ، وصدقا وكذبا ، وناسخا ومنسوخا ، وعامّا وخاصّا ، ومحكما ومتشابها ، وحفظا ووهما ، وقد كذب على النبي على عهده حتى قام خطيبا فقال : « أيّها الناس قد كثرت عليّ الكذّابة فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » ، ثم كذب عليه من بعده ، وانما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس : رجل منافق يظهر الايمان متصنّع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرّج ان يكذب على النبي متعمدا ، فلو علم الناس انهّ منافق كذّاب لم يقبلوا منه ولم يصدقّوه ولكنّهم قالوا هذا صحب النبي ورآه وسمع منه ، فأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله ، وقد أخبره اللّه عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم ، فقال تعالى : وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ( 1 ) ثم بقوا بعده ، فتقرّبوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والبهتان والكذب ، فولّوهم الأعمال وحملوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا ، وانما الناس مع الملوك والدنيا إلّا من عصم اللّه ، فهذا أحد الأربعة . ورجل سمع من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شيئا لم يحمله على وجهه ووهم فيه فلم يتعمد كذبا ، فهو في يده يقول به ويعمل به ويرويه فيقول انا سمعته من النبي ، فلو علم المسلمون انهّ وهم لم يقبلوه ولو علم هو انهّ وهم لرفضه . ورجل ثالث سمع من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شيئا أمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ ، فلو علم انهّ منسوخ لرفضه ، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه انهّ منسوخ لرفضوه .
--> ( 1 ) المنافقون : 4 .