الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
140
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
الأخبار ويأتي بها من البلاد البعيدة في المدّة القريبة ، وفيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ في يوم واحد ، وربما اصطيد وغاب عن وطنه عشر حجج فأكثر ، ثم هو على ثبات عقله حتى يجد فرصة فيطير إلى وطنه . وسباع الطير تطلبه أشدّ الطلب ، وخوفه من الشاهين أشدّ من خوفه من غيره ، وهو أطير منه ، ومن سائر الطير كلهّ ، لكنهّ يذعر منه ويعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الأسد ، والشاة إذا رأت الذئب ، والفأر إذا رأى الهرّ . ومن عجيب الطبيعة فيه ما حكاه ابن قتيبة في عيونه عن المثنى بن زهير قال : لم أر شيئا قط من رجل وامرأة إلّا وقد رأيته في الحمام ، ورأيت حمامة لا تريد إلّا ذكرها وذكرا لا يريد إلّا أنثاه إلّا أن يهلك أحدهما أو يفقد ، ورأيت حمامة تتزيّن للذكر ساعة يريدها ، ورأيت حمامة تمكّن غير زوجها ، ورأيت حمامة تقمط حمامة ويقال أنّها تبيض من ذلك ، ولكن لا يكون لذلك البيض فراخ ، ورأيت ذكرا يقمط ذكرا ، ورأيت ذكرا يقمط كلّ ما لقي ولا يزاوج ، وأنثى يقمطها كلّ ما رآها من الذكور ولا تزاوج ، وليس من الحيوان ما يستعمل التقبيل عند السفاد إلّا الإنسان والحمام ، وهو عفيف في السفاد يجرّ ذنبه ليعفي أثر الأنثى ، كأنهّ قد علم ما فعلت فيجتهد في إخفائه ، وقد يسفد لتمام ستّة أشهر والأنثى تحمل أربعة عشر يوما وتبيض بيضتين أحدهما ذكر والثانية أنثى ، وبين الأولى والثانية يوم وليلة ، والذكر يجلس على البيض ويسخنه جزء من النهار والأنثى بقية النهار وكذلك في الليل ، وإذا باضت الأنثى وأبت الدخول على بيضها لأمر ما ضربها الذّكر واضطرّها للدخول ، وإذا أراد الذكر أن يسفد الأنثى أخرج فراخه عن الوكر ، وقد ألهم هذا النّوع إذا خرجت فراخه من البيض بأن يمضغ الذكر ترابا مالحا ويطعمها إياّه ليسهل