الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
118
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
الحكيم ، فصار الزرع يريع هذا الريع ليفي بما يحتاج إليه للقوت والزراعة ، وكذلك الشجر والنبت ، والنخل يريع الريع الكثير ، فإنّك ترى الأصل الواحد حوله من فراخه أمرا عظيما ، فلم كان كذلك ، إلّا ليكون فيه ما يقطعه الناس ويستعملونه في مآربهم وما يرد فيغرس في الأرض ولو كان الأصل منه منفردا لا يفرخ ولا يريع لما أمكن أن يقطع منه شيء لعمل ولا لغرس ، ثم كان إن أصابته آفة انقطع أصله فلم يكن منه خلف . تأمل يا مفضل ، نبات هذه الحبوب من العدس والماش والباقلاء وما أشبه ذلك ، فانّها تخرج في أوعية مثل الخرائط لتصونها وتحجبها من الآفات إلى أن تشتدّ وتستحكم ، كما تكون المشيمة على الجنين لهذا المعنى بعينه ، وأمّا البرّ وما أشبهه فإنه يخرج مدرجا في قشور صلاب على رؤوسها أمثال الأسنة من السنبل ليمنع الطير منه ليتوفر على الزرع . فان قال قائل : أوليس قد ينال الطير من البرّ والحبوب قيل له : بلى على هذا قدّر الأمر فيها ، لأنّ الطير خلق من خلق اللّه تعالى ، وقد جعل اللّه تعالى له فيما تخرج الأرض حظّا ، ولكن حصّنت الحبوب بهذه الحجب لئلا يتمكن الطير منها كلّ التمكّن فيعبث فيها ويفسد الفساد الفاحش ، فانّ الطير لو صادف الحبّ بارزا ليس عليه شيء تحول دونه ، لأكبّ عليه حتى ينسفه أصلا ، فكان يعرض من ذلك أن يبشم الطير فيموت ويخرج الزارع من زرعه صفرا ، فجعلت عليه هذه الوقايات لتصونه فينال الطير منه شيئا يتقوّت به ويبقى أكثره للإنسان ، فانهّ أولى به إذ كان هو الذي كدح فيه ، وشقى به ، وكان الذي يحتاج إليه أكثر مما يحتاج إليه الطير . فكّر في هذه العقاقير وما خصّ به كلّ واحد منها من العمل في بعض الأدواء ، فهذا يغور في المفاصل فيستخرج الفضول الغليظة مثل الشيطرج ، وهذا ينزف المرة السوداء مثل الافتيمون ، وهذا ينفي الرّياح مثل السكبينج ،