الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

114

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

والممسك لها من داخل بما يستنشق منه من خارج بما يباشر من روحه ، وفيه تطرد هذه الأصوات فيؤدي البعد البعيد ، وهو الحامل لهذه الأرواح ينقلها من موضع إلى موضع . ألا ترى ، كيف تأتيك الرائحة من حيث تهبّ الريح فكذلك الصوت ، وهو القابل لهذا الحر والبرد اللذين يتعاقبان على العالم لصلاحه ، ومنه هذه الريح الهابة ، فالريح تروّح عن الأجسام ، وتزجي السحاب من موضع إلى موضع ليعمّ نفعه حتى يستكثف فيمطر ، وتفضهّ حتى يستخف فيتفشى ، وتلقح الشجر وتسيّر السفن وترخي الأطعمة وتبرّد الأطعمة وتشبّ النار وتجفف الأشياء النديّة . وبالجملة إنّها تحيي كلّ ما في الأرض ، فلو لا الريح لذوي النبات ولمات الحيوان وحمت الأشياء وفسدت ( 1 ) . « والماء » فيه : اعلم أنّ رأس معاش الإنسان الخبز والماء ، فانظر كيف دبّر الأمر فيهما ، فإنّ حاجة الإنسان إلى الماء أشدّ من حاجته إلى الخبز ، وذلك ان صبره على الجوع أكثر من صبره على العطش ، والذي يحتاج إليه من الماء أكثر مما يحتاج إليه من الخبز ، لأنهّ يحتاج إليه لشربه ووضوئه وغسله وغسل ثيابه وسقي أنعامه وزرعه ، فجعل الماء مبذولا لا يشترى ليسقط عن الإنسان المؤنة في طلبه وتكلفّه ، وجعل الخبز متعذّرا لا ينال إلّا بالحيلة والحركة ليكون للإنسان شغل يكفهّ عمّا يخرجه إليه الفراغ من الأشر والعبث . ألا ترى أن الصبي يدفع إلى المؤدّب وهو طفل لم يكمل ذاته للتعليم كلّ ذلك ليشتغل عن اللعب والعبث اللذين ربّما جنيا عليه وعلى أهله المكروه العظيم ، وهكذا الإنسان لو خلا من الشغل يخرج من الأشر والبطر إلى ما يعظم ضرره عليه وعلى من قرب منه ، واعتبر ذلك بمن نشأ في الجدة ، ورفاهية العيش

--> ( 1 ) توحيد المفضل : 140 - 142 ، والنقل بتصرف يسير .