الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

112

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

أكان يتوهم ان مثل هذا يكون بالإهمال ومن غير عمد ، فكيف يستجيز قائل أن يكون هذا من صنع الطبيعة في العالم وما أعد فيه من هذه الأشياء اعتبر يا مفضل ، بأشياء خلقت لمآرب الإنسان وما فيها من التدبير ، فإنهّ خلق له الحبّ لطعامه وكلّف طحنه وعجنه وخبزه ، وخلق له الوبر لكسوته فكلّف ندفه وغزله ونسجه ، وخلق له الشجر فكلّف غرسها وسقيها والقيام عليها ، وخلقت له العقاقير لأدويته فكلّف لقطها وخلطها وصنعها ، وكذلك تجد سائر الأشياء على هذا المثال . فانظر كيف كفي الخلقة التي لم يكن عنده فيها حيلة وترك عليه في كلّ شيء من الأشياء موضع عمل وحركة لما له في ذلك من الصلاح ، لأنهّ لو كفي هذا كلهّ حتى لا يكون له في الأشياء موضع شغل وعمل لما حملته الأرض أشرا وبطرا ، ولبلغ به ذلك إلى أن يتعاطى أمورا فيها تلف نفسه ، ولو كفي الناس كلّ ما يحتاجون إليه لما تهنّأوا بالعيش ولا وجدوا له لذّة ، ألا ترى لو أن امرأ نزل بقوم فأقام حينا بلغ جميع ما يحتاج إليه من مطعم ومشرب وخدمة لتبرم بالفراغ ونازعته نفسه إلى التشاغل بشيء فكيف لو كان عمره مكفيا لا يحتاج إلى شيء ، فكان من صواب التدبير في هذه الأشياء التي خلقت للإنسان ان جعل له فيها موضع شغل لكيلا تبرمه البطالة ، ولتكفه عن تعاطي ما لا يناله ، ولا خير فيه إن ناله ( 1 ) « وكذلك السماء » في ( توحيد المفضل ) : فكّر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير ، فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة وتقوية للبصر ، حتى أن من صفات الأطباء لمن أصابه شيء أضرّ ببصره إدمان النظر إلى الخضرة وما قرب منها إلى السواد ، وقد وصف الحذّاق منهم لمن كلّ بصره الاطلاع في أجانة خضراء مملوّة ماء ، فانظر ، كيف جعل اللّه تعالى أديم السماء بهذا اللون

--> ( 1 ) توحيد المفضل : 111 و 85 و 86 ، والنقل بتصرف يسير .