الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

109

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

مسطحا مبطحا على قوائم أربع ليتمكن من ركوبها ، وجعل حياءها بارزا من ورائها ليتمكن الفحل من ضربها ، ولو كان أسفل البطن كما كان الفرج من المرأة لم يتمكن الفحل منها . ألا ترى انهّ لا يستطيع أن يأتيها كفاحا ( 1 ) كما يأتي الرجل المرأة فكّر في خلق الزرافة واختلاف أعضائها وشبهها بأعضاء أصناف من الحيوان ، فرأسها رأس فرس وعنقها عنق جمل وأظلافها أظلاف بقرة وجلدها جلد نمر ، وزعم ناس من الجهّال باللهّ عزّ وجلّ أن نتاجها من فحول شتى ، قالوا وسبب ذلك : إنّ أصنافا من حيوان البر إذا وردت الماء تنزو على بعض السائمة وينتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أصناف شتى ، وهذا جهل من قائله وقلّة معرفة بالباري جلّ قدسه ، وليس كلّ صنف من الحيوان يلقح كلّ صنف ، فلا الفرس يلقح الجمل ولا الجمل يلقح البقر ، وإنّما يكون التلقيح من بعض الحيوان فيما يشاكله ويقرب من خلقه ، كما يلقح الفرس الحمار فيخرج بينهما البغل ، ويلقح الذئب الضبع فيخرج بينهما السمع . على انهّ ليس يكون في الذي يخرج بينهما عضو كلّ واحد منهما كما في الزرافة - عضو من الفرس وعضو من الجمل وأظلاف من البقرة - بل يكون كالمتوسط بينهما الممتزج منهما ، كالذي تراه في البغل فإنّك ترى رأسه واذنيه وكفله وذنبه وحوافره وسطا بين هذه الأعضاء من الفرس والحمار ، وشحيحه كالممتزج من صهيل الفرس ونهيق الحمار . فهذا دليل على أنّ الزرافة ليست من لقاح أصناف شتى من الحيوان كما زعم الجاهلون ، بل هي خلق عجيب من خلق اللّه للدلالة على قدرته التي لا يعجزها شيء ، ويعلم أنهّ تعالى خالق أصناف الحيوان كلّها ، يجمع بين ما يشاء من أعضائها في أيّها

--> ( 1 ) أي مستقبلا