الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
573
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
لا ، قال : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة فتجخفوا الناس جخفا ، فنظرت قريش لأنفسها فاختارت ووفقت فأصابت فقال له ابن عباس : أما قولك « إنّ قريشا كرهت » فان اللّه تعالى قال لقوم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ( 1 ) . وأما قولك « أنا كنّا نجخف » فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة ، ولكنّا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق الرسول ، الذي قال تعالى له وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 2 ) وقال له وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 3 ) وأما قولك « إن قريشا اختارت » فان اللّه تعالى يقول وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ( 4 ) وقد علمت أن اللّه تعالى اختار من خلقه لذلك من اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر اللّه لها لوفقت وأصابت ( 5 ) ، « وان لا تنكصوا » بالكسر والضم ، أي لا ترجعوا « عن دعوة » فما دعوتكم إليه يجب عليكم إجابتي . « ولا تفرطوا » فرط فرطا وفرّط تفريطا ، أي : قصّر وضيّع « في صلاح وأن تخوضوا الغمرات » أي : الشدائد « إلى الحقّ » أي : في سبيله وإجرائه . وفي ( تأريخ الطبري ) : خرج عمّار في صفين إلى الناس وقال : اللّهم إنّك تعلم لو أعلم أنّ رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته ، وإنّي لا أعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ، ولو أعلم أنّ عملا من الأعمال هو أرضى لك منه لفعلته ( 6 ) .
--> ( 1 ) محمد : 9 . ( 2 ) ن : 4 . ( 3 ) الشعراء : 215 . ( 4 ) القصص : 68 . ( 5 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 12 : 52 ، والطبري في تاريخه 3 : 288 سنة 23 . ( 6 ) تاريخ الطبري 4 : 26 سنة 37 .